بيان الشرع محمد بن إبراهيم بن سليمان الكندي أبو عبد الله

الجزء الأول

الجزء ١ · صفحة ٥٣

-

03

-

وقال ابن بركة: كل مسألة لم يخل الصواب فيها من أحد القولين ففسد أحدهما لقيام الدليل على فساده. صح أن الحق في الآخر. وكذلك إن صح أن الحق فى واحد منهما بعينه فالآخر فاسد. قال الله جل ذكره: (فماذا بتعد الحق إلا الصَّلاَلُ فَأَنى تُصْرَفُونَ) (1) وفي الأثر عن أبى الحوارى: ينسخ التنزيل بعضه بعضاً وكذلك السنن ينسخ بعضها بعضاً، وإنما نعمل بآخر التنزيل ونعمل بآخر السنن. وقد نسخ السنة ما في الكتاب، والسنة تصدق الكتاب. فقد قال الله تعالى: (وإن كتان من قدم بينكم وبينهم ميثاق قدينَةٌ مُسَلَّمَةٌ إلى أهله وتحرير رقبة مؤمنة ((2) فنسخ الدية التي في كتاب الله في هذا الموضع قول الرسول صلى الله عليه وسلم: «لا يتوارث أهل ملتين، فمضت السنة. هكذا سمعنا من فقهاء المسلمين. ووجدنا ذلك عن محمد بن محبوب رحمه الله:

و بلغنا عن النبي، صلى الله عليه وسلم، انه حد على شرب الخمر أربعين

شهر أفأقضيه عنها؟ قال: «نعم. فدين الله أحق أن يقضى». فكيف يسقط قضاء دين الله الذي يصفه النبي صلى الله عليه وسلم بأنه أحق أن يقضى. وأحق كلمة تدل على التفضيل وذلك يعنى أنه أجدر بالعناية في القضاء. وقياس النبي، صلى الله عليه وسلم، دين الله على دين الناس في حديث الخثعمية يؤكد هذا المعنى. وإذا علمت ذلك أدركت رجحان قول سليمان بن عثمان رحمه الله بأن حقوق الله كحقوق العباد تخرج في الوصية من أصل المال. أما ما احتج به ابن بركة من الآيات فلا حجة فيه لرأيه. وإنما غاية ما تدل عليه الآيات حث العبد على المبادرة على الإنفاق مما رزق قبل الانغلاق بالموت والتحسر على ما فات من الفرص. فأين موضع الاستدلال في ذلك؟ على التفرقة بين حقوق الله وحقوق العباد؟ هذا وفى آثار أصحابنا – رحمهم الله – ما يدل على

ان

-

بعضهم يرى تقديم دين الله على دين العباد إذا ضاقت عنهما التركة، كما يدل عليه حديث ابن عباس ومنهم من يرى تقديم دين العباد على دين الله حسب رأى ابن بركة. ومن قال بقوله ومنهم من قال أنهما يتخاصصان. والحق ما نطق به الصادق المصدق، صلى الله عليه وسلم. والله أعلم و به التوفيق.

(1) من الآية 32 من سورة يونس.

(2) من الآية 92 من سورة النساء.