الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٢٠٦ولا يجوز أن يكون الآمر الناهي القادر الغني الحميد يأمر وينهي إلا وقد سبق في علمه - تبارك وتعالى - أنه يطاع في أمره ونهيه ويعصى في ذلك، ولا يجوز في صفة القادر العزيز أن يعصى في أمره ونهيه ولا يعاقب على معصيته ولا يثيب على طاعته، وهو غني حميد، ومتى حَسُن في العقل في صفة الله أنه يساوي بين من أطاعه ومن عصاه في ثوابه وعقابه، لم يصح أنه حليم حكيم ولا قادر ولا كريم، لأن القادر والكريم من صفته أن يعاقب من عصاه بقدرته ويثيب من أطاعه بجوده وكرمه، ولا يستقيم هذا إلا هكذا، وإلا فإذا جاز أن الأمر والنهي كان عبثا لا لمعنى أريد به، جاز العبث عليه، والعابث لا يكون حكيما، فإذا صح الأمر والنهي بغير علم تقدم وسبق من الآمر الناهي لماذا أمر ونهى، ولماذا يطاع ولماذا يعصى، جاز أن يكون الآمر الناهي جاهلا لماذا أمر ونهى، وهذا كله لا يجوز في صفة الله - تبارك وتعالى ـ إلا على ما وصفنا، تبارك الله وتعالى علوا كبيرا.
فصل: وإذا ثبت علم الوعد والثواب لأهل طاعة الله على طاعته من حجج العقول، وثبت علم الوعيد والعقاب لأهل معصية الله على معصيته من مثل ذلك، ثبت أن الله - تبارك وتعالى - لا يعاقب على معصية إلا من استحق سخطه وبغضه وعداوته، وأي ذلك من أحد الأمور علم العالم أن الله ساخط أو مبغض أو معادي لأهل معصيته على معصيته، فقد أثبت عداوة الله لأهل معصيته، وإذا أثبت عداوة الله لأهل معصيته على معصيته، فقد أثبت حكم الله لأهل عداوته، ولو لم يبرأ بلسانه، ما لم يجهل ذلك كله وعلم
البراءة من معانيه، فيشك في ذلك من صفة الله - تبارك وتعالى -، فلا يدري إذا خطر بباله أو سمع بذكره أو دعي إليه، أيثيب الله على معصيته أهل معصيته أو يعاقبهم، أو يثيب أهل طاعته على طاعته أو يعاقبهم، أو يعاقب على معصيته أو لا يعاقب من عصاه، أو يثيب على طاعته من أطاعه أو لا يثيب، فإذا شك في هذا فلم يميز علم ذلك، كان بذلك هالكا
- 206 -