الاستقامة محمد بن سعيد بن محمد الناعبي الكدمي أبو سعيد

الجزء الثاني

الجزء ٢ · صفحة ٥٩

صبي

عدله، وهو في الأصل من دين الله الذي لا يختلف فيه، فليس له أن يرجع بعد ذلك العلم إلى الجهل، ولا بعد اليقين إلى الشك، ولا بعد ذلك الهدى إلى الضلال، وقد قال الله - تبارك وتعالى -: (فَمَاذَا بَعْدَ الحَقِّ إِلَّا الضلال فَانَ تُصْرَفُونَ) (1)، فعلم المرء عليه أوجب حجة من علم العالم الذي يقوم عليه بما يسعه جهله، لأن العالم فيما يسعه جهله قد جاء فيه الاختلاف، وما جاء فيه الاختلاف فلا يحكم فيه بأحكام الدين، وهذا ما لا نعلم فيه اختلافا، ولو كان علم ذلك من لسان أو معتوه أو مشرك أو أعرابي جلف، أو من أثر مرسوم بلفظ معلوم مفهوم. فعرف ذلك وعقله كما عقل المتعلم الأشعار، كسبعية امرؤ القيس من سبعية طرفة بن العبد من غيرهما من السبعيات وغيرها من الأشعار، أنها ليست بسبعية امرؤ القيس، فيسمع من يقول إن سبعية طرفة بن العبد هي من قول امرئ القيس، أو يقول إن سبعية امرئ القيس هي من قول طرفة بن العبد لم يجز لهذا السامع بعد أن قد صح معه وعرف بما لا يشك فيه، أن هذا القائل كاذب في قوله، إلا أن يشهد عليه أنه كاذب، لأنه يعلم أن جميع العلماء بالأشعار والأخبار يشهدون معه. على كذب هذا القائل، ويشهدون معه على صدق نفسه، وهذا ليس من أمر الدين، وأمثال هذا مما يطول وصفه كثير، مثل أنه يسمع من يقول إن أبا جهل عمرو بن هشام وعتبة وشيبة ابني ربيعة قتلوا يوم حنين في محاربة رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يقتلوا يوم بدر وإنما قتلوا بحنين، وليس ذلك من أصول الدين، ولكنه قد علم أن هذا كاذب فيها قد صح معه باليقين أن هؤلاء كلهم لم يقتلوا يوم حنين، وإنما قتلوا يوم بدر قبل يوم حنين، هل كان يجوز لهذا أن يشك في كذب هذا القائل، في مخالفته للحق الذي عرفه والصدق الذي عرفه، ولا يجوز له ذلك ولا يسعه، فكيف إذا علم شيئا من أحكام الدين أحد من العالمين، فعرف ذلك ولم يشك فيه، فكيف يجوز له أن

والحق من

(1) جزء الآية (32) من سورة يونس.

-09 -