الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ٧١عليه بالكذب، قذفا ورميا له بالدعاوى لأنه لا يدحض حجتهم بمقاله، ويخالف دعواهم بفعاله، فيشهد له الحق بالصواب عليهم، أنهم عليه بذلك
"
من الكذب. وإن رأوا منه إلى قولهم مقاربة، واستوهنوا موضعه وجانبه، أوردوه حياض المنايا والمهالك، ويمموه أضيق الطرق والمسالك، وذبحوه مع ذلك بغير شفرة ولا سكين، إذ أعطوه بأمانيهم له أنهم قد هدوه لصحيح الدين، وأبصروه بزعمهم سبيل المهتدين، فهو في ضلالته أبدا يهرع، وفي ظلماته وعمايته يتسكع، كلما ذهب شيء من أيامه، وخاف نزول منيته وحمامه، ازداد في تمسكه بذلك حرصا، وأمر بذلك من قدر عليه من الناس وأوصى، وكلما ازداد في تقربه إلى الله بذلك اجتهادا؛ ازداد عن الله ورضائه بذلك إبعادا، حتى تفجؤه قضيته، وينزل به أجله ومنيته، فيحصد من ذلك الويل والخسار، ويصلى بذلك دار البوار، ويكب على وجهه بذلك في النار. إلا أن يتوب من ذلك ويُقلع، ويستغفر ربه من ذلك ويرجع، وإن رأوا منه عن أمرهم تحرقا، وإمساكا عن طاعتهم وتوفقا، استشهدوا عليه بمن حضر من أكابرهم وتألبوا عليه من صياصيهم وحذافيرهم، وأرعدوا عليه بأراجيفهم وأبرقوا، وموهوا عليه من دقائق كذبهم وخرفوا، ولطفوا له لطائف خدعهم ورفقوا، وحذروه مخالفة بدعتهم، وأغلظوا عليه في ذلك وأفرقوا، فإن تبعهم على ضلالهم وغوايتهم، وأعطاهم في ذلك منيتهم وهواهم، قدموا في ذلك أمره وشأنه، وأجلوه قدره ومكانه، وأوجبوا على أنفسهم ولايته من حين ما استوجبوا بغضه وعداوته، وإن عصمه الله منهم ونجاه بفضله عنهم، وكان بما آتاه الله من الهداية متمسكا، ولسبيل المهتدين سالكا، قذفوه بالحيرة والشكوك، وقالوا هذا المبتدع الأفوك (1)، والمتمرد على الله المهتوك، وإن لم
"
6
يقطعهم منه بالإياس، ولم يطعهم فيما يدعونه إليه من الظلم والالتباس، رجعوا هنالك على أنفسهم فقالوا إنا نحن لسنا بحجة عليه، ولكنا نأمره بمن
(1) الأفوك: من قول الإفك؛ أي الأفاك: (الكذاب).
- VI-