الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ٩٨الناس، ودخل الناس في بيعته أفواجا، ووفدت إليه على ذلك الوفود، وأخذ عليهم المواثيق والعهود، وأظهر كل منهم من أهل المصر به الرضى، فبين مبايع له على ذلك، وبين من يخطب له عند قدومه عليه بالامامة، وبين من يظهر التسليم بالرضى الظاهر، وليس يحكم على الناس ولا فيهم بحكم السرائر، وبعث العمال والولاة في القرى والبلدان، فلم يعترض عليهم أحد من أهل المصر بتغيير، ولا ظهر من أحد من أهل المصر كراهية ولا نكير، فصلى بنزوى الجمعات، وقبض هو وعماله الصدقات، وجهز الجيوش وعقد الرايات، وأنفذ الأحكام، وجرت له فيما شاء الله في المصر الأقسام، ولم يبق بلد من بلدان عمان لم يغلب عليه السلطان، أو نأى عنه في تلك الأيام وذلك الزمان، إلا جرت فيه أحكامه، وثبتت عليهم أقسامه، وأقر في ظاهر الأمر أنه إمامه، من غير أن يظهر منه في شيء من سريرته ولا علانيته شدة ولا غلظة يخاف بها ويتقي، ولا هوادة ولا ميل يطمع منه بذلك ويرتجي، فيصانع عن تقية، أو يخدع المطمع ورجية، بل كان - رحمه الله ـ لرعيته هينا رفيقا، بارا شفيقا، غضيضا عن عوراتهم مقيلا لعثراتهم، بعيد الغضب عن مشينهم، قريب الرضى عن محسنهم، مساويا في الحق بين شريفهم ودنيهم، وفقيرهم وغنيهم وبعيدهم وعشيرتهم، منزلا لهم منازلهم، متفقدا لأمورهم وأحوالهم، ومشاورا منهم لمن هو دونه، قابلا من مشاورتهم ما يأمرونه، فلم يزل - رحمه الله ـ على ذلك، يتجشم من رعيته الصبر على الكروب، ومفارقة الشرور والمحبوب، ويصبر منهم على الشتم والأذى. ويسمع منهم الخنا والقذى، وهو يتأنى في ذلك الأمور، ويرجو الدائرة من الله أن تدور، وكثير من أهل مصره ومملكته لعله يتربص به الدوائر، ويستر له قبح السرائر، تعرف في وجوه الذين كفروا المنكر، وما تخفي صدورهم من الغل والحسد أعظم وأكبر، قد استحوذ عليهم الشيطان، وغلب عليهم العدو والشنآن، ومنهم من يتربص به الدائرة، ويظهر المودة في الأمور الظاهرة، فإن فتح الله عليه فتحا؛ أظهر إليه السرور والشرى، وإن كان للعدو نصيب، ظهرت منه
بهم
،
- ^-