الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ١٩٧ففسر ذلك أهل العلم أنه العالم من المسلمين من أهل الاستقامة، فيما يسع جهله وفيهما لا يسع جهله، من عبارة الذين هم حجة على من قام عليه
وقد قال - تعالى -: (أَفَمَن كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدُ مِّنْهُ وَمِن
قَبْلِهِ كِتَابٌ مُوسَى إِمَاماً وَرَحْمَةً) (1).
فقال أهل العلم: إنه العالم المحق؛ فالبينة من ربه ما هو عليه من الحق، ويتلوه شاهد منه؛ لسانه، فلسان العالم هو الشاهد على علمه له، وهو الحجة له على من قام عليه بالحق جهله من قام عليه أو علمه، فالحجة للعالم على العامة بما جعله الله حجة في دينه على عباده، وليس لأحد أن يجهل حجة الله عليه إلى غيرها، ولا يعدوها إلى حجة سواها، فإن كان الواحد حجة فيما يسع جهله فهو الحجة، وإن لم يكن الواحد حجة فالاثنان كذلك، والأربعة كذلك والجماعة كذلك إلى ما لا يحصى، لأن الاثنين يقومان مقام الواحد في عبارة الدين، لأنهما لو اختلفا لم يكونا في اختلافهما سالمين من المهلكة، ولم يكن بد لواحد منهما أن يكون هالكا في الدين كاذبا، في حكم الدين على رب العالمين في عقول السامعين لهما من العالمين والجاهلين، فلا يجوز أن يكون الحق في الدين إلا مع واحد من المعبرين، وأن المخالف له مخالف في أصل الدين، فلا يجوز أن يطلب معه غيره، فيما يقوم في العقول أنه لا بد من أحد أمرين:
إما أن يقول مثل ما قال، فلا زيادة في ذلك ولا نقصان
وإما أن يقول غير ما قال، فيكون مخالفا له في الدين في عقول العالمين، لأن الدين أبدا لا يكون إلا مع واحد من المختلفين، ولا يحتمل في العقول،
(1) جزء الآية (17) من سورة هود.
- 197 -