الاستقامة محمد بن سعيد بن محمد الناعبي الكدمي أبو سعيد

الجزء الثاني

الجزء ٢ · صفحة ٢٠٧

والكذب على الله وعلى رسوله وعلى دينه وأهل دينه من المسلمين

فإن قال قائل: فإن حكم الجملة غير حكم تفسير الجملة، وأن الجملة على العبد علمها ولو لم يسمع بها ولم يخطر بباله ولم يدع إليها، وقد فطره الله على علمها، فليس له أن يجهلها لأنه قد فطر عليها

قلنا له: لم يعلم أن الله كلف العباد شيئا من دينه ولا يطيقونه، ومن

•

زعم هذا فقد خرج من الإجماع ومن حكم الكتاب والسنة العقل وحجج فصل: ولا نعلم أن العبد يبلغ إلى علم شيء من الأشياء إلا بعقل

صحيح من العاهات، وسبب يؤدي إلى ذلك العقل الصحيح من الآلات ولا يقوم في العقل أن العقل يعقل الأشياء بغير آلة تؤدي إليه علم ما يعقله، وعلم ما يعرفه أو ينكره، ولا بد من آلة تؤدي إلى العقل، من سمع أو نظر أو فكرة، أو خاطر يخطر بالبال ولا يكسب العلم أبدا إلا بآلة، لأن المعقولات كلها مكتسبات ولأن المكتسبات لا تجوز أن تكتسب إلا بآلات، لأن العلم كله لا يخلو من علمين؛ علم غريزة مخلوقة وهو نور العقل الذي به يعقل المعقولات، وعلم المادة من المكتسبات، ولا بد للعلوم المكتسبات من بلوغ إلى العلم الذي هو غريزة مخلوق، لأنه غيره، فلما أن كان غيره لم يكن بد من اكتسابه له، ولما أن صح أنه مكتسب لمكتسب لم يجز إلا أن تكون المكتسبات غير المكتسبات، ولما أن كان كذلك صح أن المكتسبات محتاجات إلى ما اكتسبن له، غير مستغنيات بأنفسهن عن المكتسبات، لأن ذلك لا تفارقه الحاجة إلى غيره، فمتى عدم ما لا تقوم إلا به لم يكن له صنع ولا حكم، وصح أن المحتاجات المضرورات لا يقمن بأنفسهن على ما يكتسبن إلا بآلات غيرهن وغير المكتسبات، هذا ما لا يجوز غيره في حكم الاجماع، ولا نعلم أن أحدا قال غير هذا من أهل العلم من أهل الاستقامة، في جميع المخلوقات وهذه صفة لا يصح لمخلوق محدث أن يقوم بنفسه في حال من الحال دون

- 207 -