الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ٢٠٨غيره، ولا يقوم بنفسه عند غيره إلا بغيرهما من الآلات، وإنما يصح. هذا أن يكون قادرا على غيره، القادر على جميع الأشياء - تبارك وتعالى ـ، وما سواه من الأشياء المحدثات فعاجزات مضرورات غير قادرات إلا بمقدرات غير القادرات وغير المقدورات فكل صانع سوى الله - تبارك وتعالى ـ، فهو صانع يصنع غيره المصنوع غيره، فإذا عدم الصنع الذي به يصنع المصنوع،
6
كان غير قادر على الصنع، ولا يكون صانعا أبدا إلا بصنع غيره. كذلك العقل لا يعقل المعقولات إلا بمادة من غيره، من بصر أو سمع أو خاطر أو حس أو لمس، أو شيء يؤدي إليه ذلك العقل المكتسب له، لأن المكتسب أضعف من أن يوصل نفسه إلى المكتسب له بغير الآلة، والمكتسب أضعف بأن يصل إلى المكتسب إلا بغيره، وغير المؤدي إليه للمكتسب إلى المكتسب، فعاجز أن يؤدي المكتسب إلى غير مكتسب، أو يؤدي إلى المكتسب غير مكتسب فكل الأشياء عاجزة عن القيام بأنفسها وبغيرها؛ إلا على ما قد قدر لها من ذلك، ووصلت إليه من صنع الله لها وبها وفيها فصل: فإن قال: فإن معرفة الله - تبارك وتعالى ـ لا يعذر بها العبد في الحال، وهذا هو المراد من القائل، ولكنه لتأويل الحق في هذا
حال
من
جاهل.
قيل له: كذلك إذا بلغت معرفة الله إلى العقل الصحيح بشيء من المبلغات، لم يعذر العبد أن يعرف من صفة الله - تبارك وتعالى - إلا ما هو قادر، غير عاجز عنه في حال ما كلف ذلك ولا يكلف من ذلك إلا ما حملته طاقته، ما لم تقم عليه حجة ذلك بغيره، والعقل غير مطبق فيهما كلفه الله في دينه، أن يعلم علم المكتسبات غريزة وخلقا، وهذا من المحال،
من
6
،
ولا يكون أبدا علم غريزة وخلق مكلفا علم المكتسبات بغير آلات مؤديات، ولا مكلفا علم نفسه، هذا من المحال، ولا يعقل العقل نفس العقل، وإنما
يعقل العقل غيره، وغير المكتسب، وقد مضى القول في ذلك، ولا يتكلم في
- 208 -