الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٥١نفسه، لا يلزم الحجة بقول من قال ذلك، فإذا كان الأصل باطلا فلا تكون الشهرة به حجة، ولا يرجع أبدا حقا من جميع من قال ذلك، ولو أجمع على ذلك أهل منى وعرفات، وأضعاف ذلك أضعافا مضاعفات، من العلماء الأخيار والصادقين الأخيار، وكل ذلك دعوى من قولهم، لا يوجب تصديق الكذب، ولا تكذيب الصدق لقولهم.
وكذلك لو كان الشيء الذي قد شهر صحيحا، إلا أنه إنما وجبت الشهرة به من طريق الأخبار، ممن هو خصم لأهل الحق في ذلك الشيء، الذي يدعونه أنه كذلك، حتى أوجبت تلك الشهرة في نفس من بلغ إليه علم ذلك، علم ما قاله أولئك الخصماء في الدين، ما جاز لامرئ أن يقبل تلك الشهرة، ولا كانت تلك الشهرة أبدا، ولو كانت في الأصل حقا عند الله في علمه، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك، وقاله الله - تبارك وتعالى ـ وأنزله على نبيه وحيا وكتابا، إلا أن يصح ذلك من طريق ما لا يكون دعوى من المدعين، وكفى حجة من إبطال صحة شهرة الدعوى، ما أبطله الله من قول اليهود والنصارى، على ما ادعوا وأجمعوا عليه، وهم مختلفون في دينهم يتعادون في دينهم، فأجمعوا - إلا من شاء الله منهم - على قتل عيسى بن مريم رسول الله صلى الله عليه وسلم
فمن قبل تلك الشهرة، وصدّق تلك الأخبار المتواترة، ما كان ذلك له حجة، ولا كان إلا هالكا بذلك، لأنه باطل ما قالوا وأجمعوا عليه، وإنما قصدوا في ذلك إلى ما كان عندهم أنه صدق، ولم يقصدوا إلى كذب، لأن الله يخبر عنهم أنهم قالوا: إنا قتلنا المسيح عيسى بن مريم، فقال - تعالى -: وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِن شُبِّهَ هُمْ}. {وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا بَل رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ
وَكَانَ اللهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (1)
1 - جزء الآية (157) والآية (158) سورة النساء
-01 -