الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ٧٦حجة عليه مع العلماء بالحجة، زال عنه بذلك الحجة فيما يسعه جهله. ولو أن رجلا من أهل مكة أو المدينة أو غيرهما، قد شهر معه منزلة أبي بكر وعمر في فضلهما وعلمها ومنزلتهما، وقامت عليه الحجة بأنهما حجة عليه؛ فيما يسع جهله، دخل المدينة ليسأل عن شيء مما يسع جهله، ولا يعرف أبا بكر وعمر بأعيانهما فلقيهما جميعا في موضع واحد، فسألهما وهو جاهل بهما عن شيء مما يسع جهله من دين الله، فأفتياه جميعا بذلك ولم يبصر عدله، ولا بان له صوابه، وقد صح معه بالشهرة حجة أبي بكر وعمر في العلم، ما كانا بذلك حجة عليه فيما يسع جهله، ولا يهلك بالشك في قولهما؛ إلا أن يبرأ منهما من أجل الحق الذي قالاه أو يرده عليهما، فإنه يكون بذلك هالكا ببراءته من المحق بغير حجة، كائنا من كان من المحقين، إذا برئ منه على ما جاء به من الحق والقول بالحق من الفتيا، فبرئ منه
بجهله، فهو بذلك محدث هالك
ولو وقف عن أبي بكر وعمر من شخصيهما وعينهما، من أجل ذلك الذي قالاه، ولم يكن تقدم له فيهما معرفة فلم يتولهما بعينها ووقف عنهما، وهو يتولى في الأصل أبا بكر وعمر على الشهرة، ما ضاق عليه ذلك، لأن حكم هذين الشخصين معه في الوقوف، فهو واقف عنهما حتى يصح معه في أمرهما بعينها، ما تجب عليه به الولاية وهما معه في الولاية، وإنما قصد بالسؤال إلى أبي بكر وعمر، وخرج ليسأل أبا بكر وعمر غير أنه لم يعلم أنهما هما، وإنما ظن أنه لقي غيرهما من الناس، فعارضهما بالسؤال أو اعترضاه هما بالمقال، لم يكونا عليه حجة في الفتيا فيما يسع جهله
ولو صح معه الصفة التي نزل بها أبو بكر وعمر ـ رضي الله عنهما ـ من الفضل والعدل والعلم، وجهل أن العالم حجة، ولم يعلم أن أهل تلك الصفة هم حجة الله على عباده في الفتيا، وهو يعرفهما بأعيانهما فسأل أحدهما بالنكير
- 76 -