الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ٩٥الكتاب والسنة، وأن ذلك ثابت غير منسوخ، صح في العقول مع ثبوت السنن جميعا أن الحرمة إنما وقعت متعلقة على من جهلها أو علمها في جنس المحرم، لا في المباح الذي لا يدرك بصفة يفرق فيه عن غيره، لأنه لو وقف العالمون بالخنزير على لحم الخنزير؛ لم يعرفوا ذلك بالعين فيميزوا ذلك بالعلم بين ذلك من الخنزير والأنعام، فلما لم يستطع ذلك ووقع بالاجماع على تحريم الخنزير بالتسمية، ووقعت الإباحة للحوم بالكتاب والسنة والإجماع من أيدي أهل القبلة وأهل الإقرار من الموحدين، صح بأن الحجر إنما وقع على الصفة، وأن الصفة لا تدرك إلا بالعين، وأن العين محجورة على من جهل أو علم
،
ولا يجوز أن يباح لمن لم يعلم إذا كان يدرك العلم فيها من غيره. ولو كان الخنزير غير معروف وغير موصوف ما جاز أن يحرّمه الله مطلقا لغير معنى، بل الخنزير شاهر معروف موصوف مع من يعرفه، فلا يجوز أن يباح ما حرمه الله لمن جهله ولا لمن علمه، إذا أبعد الحجر الذي هو متعلق به الحرمة، وعلى
هذا أجمع أهل العلم من المسلمين لا نعلم بينهم اختلافا في هذا
•
فإن قال قائل: فإذا كان هذا اللحم المباح في يد أحد ممن يحل من يده، وهو مباح وكان في علم الله أنه حلال؛ من المعز والضأن، فقال إنه لحم خنزير أو ميتة أو أنه مسروق، وهو حلال في الأصل من أي وجه حرم ذلك، أيحرم الحلال بقوله، أفيجوز أن يحرم هو الحلال، وقد قلتم إن الحرام لا يحل بقول أحد، والحلال لا يحرم بقول أحد
قلنا له: نعم؛ إذا لم تكن العين تشهد بالحلال على ذاتها، وتشهد بالحرام على ذاتها، وكان ذلك قد غابت عنه العين التي يعرف بها إلى حال لا يعرف بها من غيره من المباحات، كان قول من هو في يده حجة على من قال له ذلك، وكان المقدم على ذلك مقدما على الباطل هالك بذلك، وكان القائل لذلك هالكا بكذبه، فإن أكله أكل حلالا، لا يحرم عليه ذلك بقوله إنه لحم
-40 -