روايات الأشياخ
الجزء ١ · صفحة ٣٥تعريف عام بالكتاب
الحمة
35
فالعالم الذي قضى شطرا من عمره في التدريس والتأليف، يكون قد مرَّ على إرغام النفس بالقناعة بما قسمه الله له من الرزق والإعراض عن الدنيا، والتوجه إلى الله بالعبادة الخالصة، والخلوة في أماكن تدعو إلى تأمل وصفاء
سريرة.
فجبل نفوسة الشامخ بما يكتسيه من مناظر طبيعية، ومنعة، ووعورة مسالك. تجعل ساكنيه في أمان يدعوهم ذلك إلى التركيز في تفكيرهم، وبسطة في أجسامهم، وإذا وجدت رفقة طيبة من الأقران في طلب العلم ومشايخ أتقياء يحنُّون عليهم ويبادلونهم العطف والمحبَّة، يكون ذلك أدعى إلى التنافس في طلب العلم، وتمتين الروابط، وأدعى إلى حرص الطلبة لإبراز مناقبهم، برا بهم، وجزاء لما تلقوه من العلم عنهم.
من
كان
لم يكن البغطوري وحده المهتم بسير مشايخ نفوسة، بل كان هناك عددا
مهتما بها. فقد ذكر لنا الشماخي في سيره من المهتمين، مثل: الشيخ أبي موسى عيسى بن سليمان بن يوسف من تغرمين ذكر عنه قائلا: «قيد السير، وأظنه أخذ العلم عن أبي يحيى توفيق المجدولي») ويكون بهذا قد التقيا أمام شيخ واحد وهو المجدولي.
الحركة العلمية في عهده:
عندما نتحدث عن القرنين الخامس والسادس الهجريين وما فيهما من تأثر وتأثير، نجد بين الإباضيَّة في جبل نفوسة، وبين إباضية جربة ووارجلان ترابطا وثيقا، فضلا عن علاقتهم بإخوانهم في المشرق بعُمان، فإلى جانب علماء جبل نفوسة الذين امتلأت بهم صفحات هذا الكتاب من علماء وشيوخ، فقد برز علماء أجلاء في نفس القرن منهم: أبو عمار عبد الكافي التناوتي، والشيخ
(1) ينظر: الشماخي: سير، ص 551 (ط. ح) ..