روايات الأشياخ: أشياخ جبل نفوسة (سير البغطوري) مقرين بن محمد البغطوري

روايات الأشياخ

الجزء ١ · صفحة ٦٢

روايات الأشياخ

الخلاف بين المذاهب، أو بين العلماء أنفسهم، حتّى تبلغ درجة التجنّي ـ في نظرنا نحن، وحتّى يتجاوز عنفُ النقد فكر الإنسان وسلوكه إلى صفاته الشخصيَّة. يتّضح لك ذلك في كل كتاب يعرض لاختلافات وجهة النظر في الأصول أو في الفروع أو في أحداث التاريخ. ومن الأمثلة على ذلك الحملات العنيفة لابن حزم في كتابه: «المحلى»، والقاضي عياض في كتابه «المدارك»، والبرادي في كتابه «الجواهر المنتقاة». وغيرهم كثير وإذا كان استعمال الأسلوب التهجمي الآن غير مستساغ في الذوق العام، وإذا كان الكاتب أو الناقد يطالب بالموضوعيَّة واجتناب الجوانب الشخصيَّة، فإنَّ هذا كان مقبولا ومستساغا وظاهرا لا يعاب.

ومن

الأمثلة على ذلك أيضا شدَّة الاعتزاز بالمواقف ومواجهة الآخرين بقساوة الحكم على عقائدهم وأعمالهم دون مراعاة للمشاعر. ومن أوضح الأمثلة على ذلك ما تزخر به كتب التراجم والتاريخ من أحوال الكرامات وفضائل الأفراد والأماكن.

النمط

هذه أمثلة قليلة مما يتضح فيه الفارق الزمني بين عصر وعصر وبيئة وبيئة، وعلينا نحن إذا شئنا أن ندرس آثار السابقين أن نُقدِّرها بالذوق العام المعروف العصرهم، وبالأسلوب الذي يجري به العمل فيما بينهم. وأن نعرف أنَّ المواقف المتشدّدة التي يقفها بعضهم إزاء قضية أو قضايا معيَّنة السلوكي الذي يجري به العمل عندهم وإلى الثقافات التي لا تروق لنا الآن، أو أننا تجاوزناها ـ بحكم تطور الحياة وتقدم العلم والفكر ـ هي في فترة ما كانت أحدَثَ الآراء، وأَجَدَّ النظريات، وأسمى الثقافات.

هي

ويسرني أن أهمس في آذان طائفة من الشباب - تعتز بتراث السلف ولكنها تخجل من بعض ما فيه، وتشفق من بعض آخر ـ حتى كانت تود أو تقترح

إخراج ذلك التراث بعد تجريده مما يخجلون أو يُشفقون منه.