روايات الأشياخ: أشياخ جبل نفوسة (سير البغطوري) مقرين بن محمد البغطوري

روايات الأشياخ

الجزء ١ · صفحة ٧٦

روايات الأشياخ

:أيضا إنَّ الزواحف شوهدت خارجة من الدغل حاملة معها أولادها، واعتبرت هذه القصة من كرامات عقبة.

ومثل هذه القصة تماما تروى لعبد الرحمن بن رستم حين أراد بناء تاهرت). ولا يعنينا الآن أن نثبت هل تعددت الحادثة أم أنَّ إحداهما منقولة عن الأخرى، وإنما يعنينا هنا أن نوضح أنَّ هذه الحادثة ليست من الكرامات ولا من خوارق العادات، وإنما هي حادثة وواقعة حال تجرى على سنة الله في الكون. وقد زادها خيال الرواة بعض اللمسات فأخرجوها عن حقيقتها من حادثة واقعة إلى كرامة ثابتة والصورة كما يفرضها المنطق والعقل، وكما نتوقع أن يكون سلوك الخيرة من قادة المسلمين وأئمتهم أنَّ عقبة أو عبد الرحمن أو كلاهما عندما فكر في إقامة بناء على أنقاض أو رماد جنَّة وافرة الظلال أحسَّ في نفسه كأنَّ عمله هذا نوع من الفساد في الأرض فوقف إلى جانب الغيطة ثمَّ اتَّجه إلى ربه يعتذر إليه عما هو مقدم عليه، ويدعوه بحرارة، وربَّما [بصوت] /14 / مرتفع أن لا يؤاخذه الله بما يصيب النبات والحيوان من الأذى والضرر، وربَّما كان في ذلك مستخيرا. وإلى هذه اللحظة كانت تلك الحيوانات آمنة مطمئنة في ذلك الغاب، وكانت الأشجار الباسقات تتأود وتتعانق في نشوة. ثم أمر القائد بإشعال النار في أطراف الدغل مستفيدا من اتجاه الريح فارتفع اللهب وتطاير الشرر وعلا الدخان مخترقا أشجار الغابة، وسمع حسيس النار من مسافات بعيدة، فذعرت الوحوش والحيوانات التي كانت داخل الغابة، وانطلقت هاربة منزعجة، وربَّما شاهد الناس بعضها وهي تنفلت لا تلوي على شيء، وروى المشاهدون القصَّة قصَّة حرق الغاب وفرار الحيوان وتلقاها خيال الرواة، فأضاف إليها ما جعلها خارقة للعادة، صالحة أن تكون كرامة لعقبة أو لعبد الرحمن أو لكليهما.

(1) ينظر القصَّة في سير الشماخي، ص 139.