روايات الأشياخ: أشياخ جبل نفوسة (سير البغطوري) مقرين بن محمد البغطوري

روايات الأشياخ

الجزء ١ · صفحة ٧٨

روايات الأشياخ

هذه أمثلة بسيطة لما يظنُّه الناس كرامة لأولياء؛ لأنَّها من خوارق العادة، وتناقلتها الشفاه وكُتُب السير على ذلك، وهي ليست كذلك. فمنها ما هو أمر طبيعي عادي، ومنها ما حرَّفته أخيلة الرواة والأخباريين قليلا بحيث يمكن أن ينسجم مع مظاهر الخوارق، ومنها ما طغت فيه قداسة الشخصيَّة في نظر الأتباع على تفاهة الحادثة، بحيث لو صدرت من غيره لكان مثارا للتنكيت والتعليق. - القسم الثالث:

حوادث وأحوال لا يمكن تفسيرها إلا على أنها خوارق أو كرامات، فهي لا تدخل تحت القسمين السابقين بأي تأويل أو تفسير، وذلك كالذي يسقي ثلاثة من الناس حسب رغبتهم: ماء وعسلا ولبنا من إناء واحد)، وكالذي يعيد صلاة سنة في ليلة واحدة! (?).

أحبُّ أن يعرف القارئ الكريم أنَّني لا أنكر أبدا أنَّ الله تعالى أن يهب ما يشاء من كرامات لمن يشاء من عباده، ومع ذلك فأنا أقف إزاء ما يروى منها في كتب السير والتاريخ موقفا فيه بعض التأنّي والاحتراز. وأحبُّ أن أؤكد هنا أن نفي صدور أية كرامة عن أي شخص وعدم التصديق بها لا يدلُّ أبدًا على الطعن في الشخص نفسه، أو الاستهانة بقدره، أو التنقيص من علمه وفضله وصلاحه؛ لأنَّ فضائل الشخص وعلمه وصلاحه وعمله لها مظاهر أخرى غير مظاهر الكرامة، ولها مجال غير مجال الكرامة. وصفات الفضل والعلم والصلاح تثبت لصاحبها دون احتياج إلى الاستناد على الكرامة.

لو كانت خوارق العادات أدلة على كرامة الإنسان لكان أصحاب رسول الله أغنى بها وأوفر حظا. ولا أحسب أن أحدا يغمر قلبه الإيمان يزعم

(1) ينظر القصَّة في هذا الكتاب فقرة رقم 355. وفيها ذكر الماء واللبن، ولم يذكر العسل. (?) ينظر القصَّة في هذا الكتاب فقرة رقم 50.

لنفسه