روايات الأشياخ
الجزء ١ · صفحة ٨٢روايات الأشياخ
الإسلامية. وإن قصة نزول قطرات من الماء من ميزاب الرحمة لم تضف شيئا إلى عظمة وشجاعة المؤمن الثائر على الباطل الذي تعالت صيحته في وجود الطغيان حتّى ذعر منه أعتى الجبابرة في عصره، وبقيت سيرته مثلا أعلى ترنو إليها أنظار الثوار على الظلم ولا يبلغونها. وبناء على كل هذا فنحن في هذا العصر ينبغي أن لا نعطي لموضوع كرامة الأولياء أكثر مما تستحق، ولا نجعل خوارق العادات مدعاة لدعوى الولاية ولا سببا في الطعن فيمن نسبت إليهم ولا فيمن نقلها من المؤرخين أو غيرهم، باعتبارها أشياء لا يصدقها العقل. وينبغي أن نعرف أيضا أنَّ كرامة الأولياء ـ مع التصديق بوجود أهل الكرامة ـ غير خاضعة لإرادة الولي نفسه ولا لطلبه متى شاء - باستثناء ما ينتج عن الدعاء والالتجاء إلى الله فيه - وليست قابلة للتحدّي، وإلا لانقلبت معجزة، بل إنَّ المعجزة نفسها ـ وهي من البراهين على صدق الرسالة - لم تكن خاضعة لإرادة الرسل. ولكنَّ الله تبارك وتعالى هو وحده الذي يعرف من يجريها، ويجريها متى شاء.
-
هذا موقفي بالنسبة لموضوع الكرامة عامة، فأنا لا يضيق صدري لمن ينكر كرامة لولي من الأولياء ما لم يتجاوز ذلك إلى النَّيْل من الشخص نفسه، على شرط أن يكون الولي ذو الكرامة من المعروفين تاريخيا بالعلم والعمل والصلاح، أو على الأقل بالعمل والصلاح.
ويبقى علينا الآن أن نوضح الفكرة بالنسبة للمؤرخين، ومنهم مقرين البغطوري الذي نقدّم كتابه اليوم ومعرفة ما تركهم ينساقون في تيار الكرامات. الموقف هنا واضح، وذلك أنَّ الذوق العام للمجتمع الإسلامي بعد خير القرون كان يستسيغ وجود الكرامات، بل كان يبحث عنها ويفتعلها أحيانا. ويرى أن عدم ظهورها في مجتمع ما دليل على بُعده عن روح الإسلام، وكان التفكير الفردي واقعا تحت التفكير الجماعي الذي سلبته قوَّة التمييز أو قوَّة