الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ٢٥٧الجزء الثالث
257
نفسه فقيل: إن ذلك يثبت حكم اليد عليه، فهو عبده في حكم الظاهر، ولو أنكر الملكة من بعد فلا يلتفت إلى قوله إلا بحجة توجب ذلك.
وفي قول آخر: إن ذلك ما لا تكون حجة عليه في نفسه بحال إلا أن يقر بذلك إقراراً ثابتاً، أو تقوم عليه الحجة بشهادة معدلة، فالشهادة والإقرار الثابت وجهان مجتمع عليها. والثالث مختلف فيه وهو ما أسلفناه، ولهذا قيل: إن بيع الصبي ومن في حكمه غير ثابت في الحكم حتى يبلغ فيقر بالملكة، وهو خاص فيمن لا تقوم حجة الملك فيه بالشهادة، ويجوز ذلك في معاني التعارف ما لم يكن في محل ريب أو شبهة.
فانظر إلى هذه التفرقة اللطيفة العظيمة الجدوى بين معلوم الأصل ومجهوله، فإن في أحكام الظواهر للاحتمالات الجائزة مع جهالة الأصل ما يقرر أنه أصل بنفسه قائم بذاته غير مفتقر إلى وجود الأصل الأول معه إلا في التقدير والاحتمال، وإلا فلو لزم الأصل الأول لما جاز شراء غير المعلوم، وهذا فاسد على الصحيح كما بيناه.
ومن
تمسك بأحكام الظاهر في هذا الأصل المجهول جاز له فيه ما يجوز في المعلوم الأصل من أحكام ملك اليمين، ولو كان هذا المجهول الأصل من المقرين بالملكة مشهوراً في جميع أقطار الأرض أنه من نسل هاشم بن عبدالمطلب، وهو عارف بنفسه، والبائع عالم بنسبه، إلا أنه مجهول الأصل عند المشتري لكان ذلك واسعاً للمشتري، وجائز له استرقاقه واستعباده، ووطؤه بملك اليمين بعد الاستبراء إن تكن جارية، ولم يكن جائزا في الأصل للبائع ولا للمبيع ولا لمن تأدى إليه علم بذلك من شهرة حق أو خبرة صدق أو صحة عدل أو إقرار ثابت من البائع أو المبيع قبل وقوع صفقة البيع، ولم يكن علم البائع ولا المبيع، ولا أهل ذلك الزمان، ولا من في تلك البقعة والمكان حجة على المشتري.
فانظر كيف جاز له، وحل ما لم يجز لغيره في مكان واحد بزمان واحد، وهو على حكم الإباحة حتى يصح معه ما يخرجه عن حكم الملك بخبرة أو بشهرة حق أو شهادة عدل جائزة، وذلك ما لا نعلم فيه اختلافاً.