الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ١٤٥الجزء الأول
145
فإن قلت: ما معنى لن؟
قلت: تأكيد النفي الذي تعطيه «لا»، وذلك أن «لا» تنفي المستقبل تقول: لا أفعل غداً، فإذا أكدت نفيها قلت: لن أفعل غدا، والمعنى أن فعله ينافي حالي كقوله تعالى: لن
(1)
(2)
يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ) فقوله: لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَرُ) نفي للرؤية فيما يستقبل ولن تركني (3) (3) تأكيد وبيان؛ لأن المنفي مناف لصفاته.
(4)
فإن قلت: كيف اتصل الاستدراك في قوله: وَلَكِن أَنْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ بما قبله؟ قلت: اتصل به على معنى أن النظر إلي محال فلا تطلبه ولكن عليك بنظر آخر وهو
عز
أن تنظر إلى الجبل الذي يرجف بك وبمن طلبت الرؤية لأجلهم، كيف أفعل به، وكيف أجعله دكا بسبب طلبك الرؤية لتستعظم ما أقدمت عليه بما أريك من عظم أثره، كأنه وعلا حقق عند طلب الرؤية ما مثله عند نسبة الولد إليه في قوله تعالى: {وَتَخرُّ الْجِبَالُ هَدًا أَن دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَن يَتَّخِذَ وَلَدًا ()
فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانه كما كان مستقرا ثابتا ذاهبا في جهاته فَسَوْفَ تَركني تعليق لوجود الرؤية بوجود ما لا يكون من استقرار الجبل مكانه حين يدكه دكا، ويسويه
بالأرض، وهذا كلام مدمج بعضه في بعض، وارد على أسلوب عجيب ونمط بديع.
ألا ترى كيف تخلص من النظر إلى النظر بكلمة الاستدراك؟ ثم كيف بنى الوعيد بالرجفة الكائنة لسبب طلب النظر على الشريطة في وجود الرؤية؟ أعني قوله تعالى: فَإن
(1) الحج الآية (73).
(2) الأنعام: الآية (103). (3) الأعراف: الآية (143).
(4) الأعراف: الآية (143). (5) مريم الآيات (9290).