أجوبة المحقق الخليلي سعيد بن خلفان بن أحمد الخليلي أبو محمد، الشهير بـ "المحقق"

الجزء الأول

الجزء ١ · صفحة ١٥٨

158

أجوبة المحقق الخليلي

وكذلك السحرة لم يأمروا فرعون بفعل ما فعله بهم لعدم جوازه في دين الله قطعا،

وإنما أرادوا بذلك إظهار قوتهم في الدين، وبيان تصلبهم فيه، وعدم مبالاتهم بما يصنع فيهم في هذه الحياة الفانية التي لا يعدونها شيئا، وربما كان ذلك من غيرهم لإظهار الإذعان والخضوع وإرادة الترحم لا غير، وهكذا في سائر المعاني. فإذا كان سؤال الرؤية من موسى - عليه السلام - إنما جاء لمعنى إسماع قومه الجواب عن الله تعالى بالمنع فهو الغرض الكافي في جواز سؤالها.

ولم يكن سؤاله إياها على هذه الحالة باطلا، ولا كفرا ولا ضلالا، وإنما يكون حقا وهدى وصوابا، وليس هو بمحجوج في ذلك كما توهمه الشيخ وفاقا للجماعة من أهل السنة، وليس كل ما أمكنت المناديح فيه كانت (3) واجبة كما قاله، بل قد تكون واجبة مرة، وفاضلة طورا، ومفضولة أخرى، فهي كغيرها من القول المتنوع في الأحكام على ما تقتضيه من الأقسام.

فقد يكون العدول عنها أي التصريح بالحقائق أولى، وإن كان ظاهرها الكفر إذا اقتضاها المقام لغرض صحيح، ولكن الغوص على حقائق مثل هذه المعاني ربما لا يقتدر عليه إلا بعض الفرسان من علماء المعاني والبيان.

وشاهد هذا قوله تعالى حكاية عن إبراهيم عليه السلام: فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ الَّيْلُ رَوَا كَوْكَباً قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْأَفِلِينَ فَلَمَّا رَهَا الْقَمَرَ بَازِضًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَإِن لَّمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ) فَلَمَّا رَهَا الشَّمْسَ بَازِعَةٌ قَالَ هَذَا رَبِّي هذا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَقَومِ إِنِّي بَرِى مِّمَّا تُشْرِكُونَ) فانظر كيف جاز لإبراهيم عليه السلام أن يتكلم بلفظة الشرك ثلاث مرات مخبرا بها عن نفسه من غير مندوحة، ولا

(1) في (ت) زيادة: لا.

(2) سقطت من (م).

(3) الأنعام: الآيات (76 - 78)

)