الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ١٥٩الجزء الأول
159
في موضع تقية على نفس ولا دين ولا مال، وليس هو مجبرا على ذلك، ولا مأخوذا به، وقد كان له في الاحتجاج بغير هذا مجال رحب وسعة، وقد احتج عليهم بغيره في غير مرة، كما صرح به في كتاب الله تعالى، ولكن رأى خطابهم على هذا الأسلوب، والجري معهم على هذه الطريقة أقطع لحجتهم، وأدمغ لكلمتهم، وأبلغ لتبكيتهم، وأوضح لإعجازهم، فأثنى الله عليه بذلك، وحكى ما قاله هنالك.
(1)
وقال تأييدا له: وَتِلْكَ حُجَّتُنَا وَآتَيْنَهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ وإذا كانت كلمة إبراهيم عليه السلام بالشرك الصريح لما كانت مسوقة لهدم قواعد الشرك، ومقولة لإيضاح الحق لم تسم شركا لفظا ولا معنى ولا عقلا ولا حكما، فكيف يصح في مقالة موسى عليه السلام إذا كان مقصده (3) بها تبكيت قومه وإقامة الحجة عليهم بسماع المنع من الله تعالى أن تكون باطلة وهي نفس الحق المبين.
(†)
فموسى الكليم وإبراهيم الخليل في أحكام الحق سواء، وكلمتاهما في أحكام الظاهر ممنوعتان سواء، ولكنها كانتا مسوقتين لإزهاق الباطل وإثبات الحق، فهما في معنى الجواز سواء، أم يجوز الفرق بينهما، ولا فرق عند من عرف الحق، فهما نفس الصواب وحقيقة الهدى، ولا يكاد يصدر مثلهما إلا عن منصب النبوة، ولكن ربما يخفى ضياء النهار على بعض الأبصار والله در من قال:
(3)
وإذا كنت بالمدارج غرا
وإذا لم تر الهلال فلم
لأن
بصرت حاذقا لا تمار اس رأوه بالأبار
فإن قلت: كيف يسوغ التشبيه والاحتجاج بقصة إبراهيم -عليه السلام - في هذه
الآية الشريفة، وقد اختلف المفسرون في تأويلها؟
(1) الأنعام: الآية (83).
(2) في (م): مقصوده.
(3) في (م): إذا.