الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ١٧٥الجزء الأول
175
روح
فصح أن القرآن لغة هو غير العلم الذاتي ولا شك، وإذا لم يجز أن يطلق على العلم
(1)
الذاتي فكذلك الكلام الذاتي؛ لأنهما بمعنى، وما لم يثبت في أحدهما لم يجز على الآخر. وأما اعتباره معنى فالقرآن الذي أنزله الله على رسوله ل بواسطة الناموس الأعظم القدس جبرائيل -عليه السلام - هو هذا القرآن المتلو عندنا بالألسنة، والمسموع بالآذان أصواتا مقطعة بحروف وكلمات مرتلة، فلا يسع الشك في أنه هو القرآن الذي يجب الإيمان به على من بلغ إليه، وتقوم به الحجة له وعليه ومن شك فيه أشرك فكيف بمن رده أو أنكره.
وقد اتفقنا نحن والأشعرية أنه مخلوق، وصرح بذلك الشيخ أبو سعيد ومحمد بن محبوب (3) - رحمهم الله - واتفق عليه أصحابنا المغاربة وفاقا للمعتزلة، ولا منكر لذلك فيما قيل إلا بعض الحنابلة جهلا منهم بالحق، وعنادا ومكابرة بغير دليل.
وإذا ثبت أن هذا هو نفس القرآن الذي لا يسع الشك فيه، ولا رده ولا الجهل به، فالقول بأن القرآن صفة ذاتية قديمة، كما صرحت به الأشاعرة يقتضي وجود قرآنين يجب
الإيمان بهما:
علينا.
أحدهما: هو الموجود عندنا، وهو الذي بعث به الرسول إلينا، وقامت به الحجة
والثاني: قرآن هو عند الله تعالى صفة من صفات ذاته القديمة الأزلية، وهو عين هذا القرآن وحقيقته، إلا أن عقول البشر تقصر عنه، فلا تبلغ إليه وهو مما استأثر الله بعلمه، وهذا غير مسلم لعدم الدليل عليه، ولأن الله لم يدعنا إلى الإيمان به، ولا ثبت ذلك عن النبي ولا عن غيره من الرسل في شيء من الكتب السابقة.
(1) في (ت): يخطر.
(2) من أكبر علماء عمان والمذهب الإباضي، تولى رئاسة العلم أيام الإمام الصلت بن مالك الخروصي في العقد الأول من القرن الثالث الهجري له أجوبة فقهية كثيرة. ينظر: دليل أعلام عمان ص 150.