الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ١٧٦176
أجوبة المحقق الخليلي
وإذا كان الإيمان بالقرآن حاصلا بدونه وقيام الحجة موجودا بهذا القرآن الذي معنا
فالقول بأن حقيقة القرآن غيره باطل؛ لأنه من باب إنكار الحقائق وصرفها إلى أمور متحيلة بغير حجة، وذلك باطل، وتعلقهم في هذا بأن القرآن علم الله وكلامه، إنا هو من باب الاستدلال بألفاظ مشتركة، فلا حجة بها؛ لأنها متأولة فقولهم في القرآن: إنه كلمة الله أو كلماته أو كلامه كالقول في المسيح - عليه السلام- أنه كلمة الله، ولقد احتج بها بعض النصارى على أنه غير مخلوق؛ لأنه روح الله وكلمته ألقاها إلى مريم كاستدلال هؤلاء الجماعة على إثبات القرآن صفة ذاتية بأنه كلام الله، وليس في ذلك من دليل لجواز أن تكون الإضافة لمعنى الاختصاص له تشريفاً كقولك (1): ناقة الله وبيته وكلمته وروحه، ومتى قيل في القرآن: إنه علم الله فالإضافة فيه كذلك.
ومثله قوله كالغيث رحمة رب العرش، وهو على المسافرين عذاب واصب وبلاء، فرحمة الله صفة من صفات ذاته القديمة الأزلية، فقولنا الغيث رحمة الله لا يراد به أن الغيث صفة من صفات ذات الله تعالى، وقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم من رحمة الله في قوله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَلَمِينَ "، وقال: (وَمِن رَّحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ الَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ
(3)
(2)
وَلِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ) وليس المعنى أن النبي الله هو من رحمة الله التي هي صفة من صفات ذاته القديمة الأزلية؛ لأنه مخلوق وهي قديمة فكذلك علم الله إن عبر به عن شيء من معلوماته كالقرآن.
ولقد رأيت في كلام بعض المتصوفة وقد أنكرت عليه حاله، فقال لمن أنكر عليه: أنا من علم الله الذي لا تعلمه، وهو كلام بديع في غاية الحسن، وليس المراد به أنه من علم الله
(1) في (م) كقوله.
(2) الأنبياء: الآية (107).
(3) القصص: الآية (73).