الجزء الخامس
الجزء ٥ · صفحة ٥١٥باب الإمامة
ومن المعلوم لو أن بعض الصحابة خالف فيه قولا أو عملا لما جاز أن يكون إجماعا فكيف إذا صح خلافه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم عن أبي بكر فكيف يستقر الإجماع في مختلف فيه: هذا ما لا يصح أصلا، ثم التصريح بأن أحدا لا يسعه العمل بما ثبت عن رسول الله لعمل عمر من بعده بخلافه قول بشع تأباه الطباع، وتمجه الأسماع كدعوى أن شيئا من سنته تنسخ من بعده باجتهاد غيره، ثم يجتمع على ذلك فهذا كله ما لا نعلم وجها لصحته، ولا دليلا على أصله، ولسنا نرد على علماء المسلمين قولهم ولا ننقض أصلهم، ولكن ليس لنا أن نقبل إلا ما وضح عدله، وظهر بالحق فضله.
ولئن
صح
ما حكاه الآخرون عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قد حد بالأربعين، ثم أبو بكر، ثم عمر كذلك فقولهم الأقوى، وطريقهم الأسوى، فأي مانع لمن جاء من بعدهم عن اتباع طريقهم، فقد سلك سبيل المرسلين، واتبع طريق المؤمنين: وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (1).
ولتعارض الرواة في أصل المسألة فكأني على القطع بالدينونة، ودعوى الإجماع فيها على شيء لا أجسر عليه، ولا أقوى على القطع به لوجود هذا، وهذا في آثار السلف من غير رد له ولا نكير، وقولي فيها قول المسلمين، وأنا للحق تبع في هذا وغيره إن شاء الله تعالى. وقد تركت التعرض إلى ما فوق ذلك من سؤالك بما دون الكفاية بما دونه، وإني لأكره أن أتعرض لكلام السلف بما دون هذه البحوث، ولولا أن الله تعالى قد أخذ الميثاق: لتبينُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ) لكان من يفي هذه الموضع غير ما رأيت. (2) والله أعلم.
(1) النساء: الآية (115).
(2) آل عمران الآية (187)