الجزء السادس
الجزء ٦ · صفحة ٢٧٧باب الوصايا
277
من إجمال من دون تصريح لجميع محتملاته حتى تظهر جلية الحق المبين، فيراه المنصف (1) بعين اليقين، وما ذلك مع حسن الظن بهم لقصور علم، ولا تخليط في حكم، ولكن إيراد المجمل في الأثر غير بدع ولا مستنكر، ولا يتوصل إلى معرفة الحق فيه إلا بإيضاح معانيه، ولا بلوغ إلى هذا إلا بتحليل كلماته ومبانيه.
فأقول: أولا: إن باء الجر قد تكون لمعان هي: القسم والاستعانة والسببية والإلصاق والظرفية والزيادة والتعدية والتعويض ومشاكلة «من» و «عن» و «مع» في معناها، ويعرف محل كل منها وموضعه بدلالة المعنى عليه، وإذا احتمل الوجهان فما فوقهما كان لكل وجه ما يقتضيه من حكم، فالحكم على أحدهما بموجب الآخر باطل بالجزم، لا يصح في العقل ولا في النقل؛ إذ لا يجوز الحكم بالعموم في موضع الخصوص، والألفاظ صور قائمة، والمعاني أرواحها (2)، فما وقوفك على الأشباح، مع خلوها عن الأرواح.
أم تظن أن (3) بنفس اجتماع الحروف والكلمات بمجرد تأليف اللفظ يتبدل الحكم عليه، كلا والله وإنه لقول فصل، وما هو بالهزل، إنما يحكم على مبانيها بصريح معانيها لا غير، ولاختلاف الفهوم في مثل هذه المسائل وردت الاختلافات بين أهل الحق فكل عبر عن معنى فهمه، وهو الحق في حقه، والحزم جمع الوجوه المحتملة فيه وفرز بعضها عن بعض، فهو الجواب الكامل والصواب الشامل فاعلم أن الاختلاف في المسألة من وجهين: أحدهما من حيث لفظة «حق» (4) فقيل: أن لا حق على الله لأحد من خلقه البتة، وقيل: بجوازه على معنى أن حقه عند الله تعالى هو حرمته وشرفه لديه، وتعظيم منزلته
(1) في (ت): المتصف.
(2) في (م): أزواجها.
(3) سقطت من (ت).
(4) في (م): الحق.