أجوبة المحقق الخليلي سعيد بن خلفان بن أحمد الخليلي أبو محمد، الشهير بـ "المحقق"

الجزء السابع

الجزء ٧ · صفحة ١٣٠

130

الظلمة) وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوافَتَمَسَّكُمُ النَّارُ) ()

أجوبة المحقق الخليلي ج 7

أم فرقا بين هذا وبين ما يكون من أمر الله تعالى فيجوز المساهمة مثلا في البحر بعض الراكبين برمي بعضهم في البحر المتموج المهلك، وهذا لا قائل به، ولا يصح جوازه في عقل ولا نقل أبدا كما لا يجوز لأحد منهم على الرضا والاختيار أن يلقي نفسه إلى التهلكة في ذلك الخضم المزيد لما يرجوه من سلامة غيره، فإن الله قد منعه من إلقاء نفسه إلى التهلكة مطلقا معناه يوجب التحريم شرعا لا يجوز الاختلاف فيه قطعا، ومن خالفه أو خالف فيه هلك؛ لأنها ليست من مسائل الرأي أصلا أم يجوز في رأي أو دين أن يكون هذا [الأمر من]) إلقاء النفس إلى التهلكة، وأي هلاك أشد من رميها في بحر يغرق أو نار تحرق، كيف ترجى فيه السلامة إلا ما شاء الله تعالى إنه فعال لما يريد.

وقد صح في الحديث عن رسول الله أن القاتل نفسه في النار، وهذا قاتل نفسه بلا شك حقيق بغضب الله تعالى وبناره التي أعدها لقاتل نفسه، فكيف يكون له في هذه المساهمة العذر عند ربه وهي على سبيل لم يؤذن الله به، فما أشبهها في هذا الموضع بالميسر والقمار وحكم الأزلام والمحاكمة إلى الجبت والطاغوت، وقد أمروا أن يكفروا به فلا سبيل أبدا إلى طاعته، وإنما الحكم لله له الخلق والأمر ولا معقب لحكمه ولا راد لأمره، وعليه في هذا الموضع التوكل عليه وتفويض الأمر إليه والاستسلام لقضائه، والصبر على بلائه، إن أهلكهم فبعدله، وإن نجاهم فبفضله، ولا يستعجلوا الهلاك قبل شروعه، بإغراق بعضهم بعضا قبل وقوعه فيشتد إصرهم ويحيق بهم مكرهم. وقد رأيت أن حد ما أجازه الفقهاء في خب البحر وهيجانه، إذ خيف العطب ورجيت السلامة بتخفيف الحمل إنما هو رمي الأمتعة لا غيرها من نفوس عبيد ولا أحرار لأهل الذمة الأشرار فضلا عن الأخيار، ولو جاز غير هذا لأتوا به في متون الأسفار، وما سكتت عنه آثار السلف إلا لتعاظم الناس، واستقرار منعه في النفوس، فلم يحتاجوا إليه إلى البحث والتنقير؛ لأنه شيء مهول لا تقبله العقول والفطر السليمة، ولا يختلج خلافه بقلب عالم ولا جاهل أبدا.

(1) هود الآية (113).

(2) في (ت): لأمر القاد.

(3) أخرجه مسلم في كتاب الإيمان، باب غلظ تحريم قتل الإنسان نفسه (109).