الجزء السابع
الجزء ٧ · صفحة ١٣١البحوث
131
وما نظن بهذا الشيخ أن يأتي بمثل هذه العبارة إلا على سبيل السهو والغفلة عن استقراء مواد هذه المسألة، وإلا فمثله لا يخفى عليه الصواب، ولا يجهل مثله نحو هذا الجواب، ولكن الاحتراز من السهو والغفلة والنسيان أمر يخرج عن حد القوى البشرية، وفي الأثر مجمل ومفسر ومأخوذ ومتروك فلا بد من النظر فيها لفقهاء البرية.
تذكر
ولا يجوز الاستدلال على جواز هذه المساهمة بما فعله نبي الله ذو النون يونس بن متى -
141
142
سلام الله عليه - إذ قال: فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ (2) فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمُ: " لأنها لم هنالك لمعنى التشريع لنا، وإنما ذكرت لمصلحة أخرى ولفائدة جليلة يدريها من هو بها أدرى، فهي من باب قصة إبراهيم الخليل عليه السلام في ذبح ابنه برؤيا المنام، ومن باب ما جرى للعبد الصالح المعبر عنه بالخضر عند المفسرين من خرق السفينة، وقتل النفس الزكية بغير حق موجب للقتل في حكم الظاهر ومثل هذه الأمور في حق الأنبياء عليهم السلام- من جهة الوحي، فإنها من أمر الله تعالى بلا شك وذلك خاص بهم لا يمكن لغيرهم القياس عليه أبدا، وإلا لجاز لمن رأى ذبح ابنه في المنام أن يذبحه.
وبالإجماع أن هذا باطل فهو ضلال وردى، كما لا يجوز أن يحتج لهذا الباب بما ذكر عن بعض الصحابة أنه كان يتقي بنفسه الضرب عن رسول الله، وربما جاز مثل هذا حتى في غيره -صلوات الله عليه - أراد فإن للجهاد شأنا آخر، فإنه الذي يستدعي بمقتضاه بذل النفس بخوض الغمرات، واقتحام بحار الموت، فالمجاهد بائع لنفسه، متعرض للشهادة إلا أن يريد الله حياته، فكلما كان أسرع في بذل نفسه بين الجنود لطعن القنا وخفق البنود، فهو أجل لمقامه وأعظم لأجره وأرضى لربه، وإن أعلى منزلة فيه وأرفع مكانة منه تقديمها للموت بين يدي رسول الله الا الله في الوقاية لذاته الكريمة بنفس ترى الشهادة لها أعظم قيمة، والفضل الله الكريم إذا تقبل من عبده نفسا هي من عنده وأثابه بها الجنة من رفده ووعده عليها من عظيم الجزاء ما تقصر العقول الكاملة عن البلوغ إلى معرفته فَلَا تَعلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ هُم مِّن قُرَةٍ أَعْيُنٍ جَزَاء بِمَا
(1) في (ت): عن.
(2) الصافات: الآيتان (141 - 142).