الجزء السابع
الجزء ٧ · صفحة ١٥٣البحوث
153
وإذا لم ترض بصرف الوجه عن أقل الجلساء، فتلتفت عنه إلى غيره من رجال أو نساء، فكيف به في حق مالك الملوك الذي ترفل في نعمته صباحا ومساء، وأنت عبده وراجيه، تدعوه وتناجيه، وهو لك يسمع وقلبك عند غيره يرتع وهو على الإعراض عنه يراك، ويشهد سرك ونجواك، وقد أحسن إليك وأنعم ودعاك إلى بابه الأكرم، وألهمك الثناء عليه فيها علم. أفيرضاك ولا ترضاه بدلا عما سواه أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ} () ألا فتجرد عن هواك، وفرغ القلب لمولاك، وقم له بطرف خاشع وقلب خاضع، ونفس مطمئنة هيئة وجوارح ساكنة لينة قد ظهرت عليك الكآبة والخشوع وزادت منك الإنابة والخضوع، فإنك في مقام ذي جلال واحترام بين يدي من له الملك والملكوت، والعزة، والجبروت، جلاله لا يتناهى وعزه لا يباهي، تسبحه الأفلاك والأملاك وغاية العقول فيه قصورها عن الإدراك، فكن بين يديه ذليلا وجلا خائفا خجلا تطيعه طربا وتدعوه رهبا، وترجوه رغبا، وتخشاه رعبا وتهابه، إجلالا، فتناجيه امتثالا، وتصفه بما تشاهد من جلالا، فيقول (3) لسانك ويشهد جنانك بما أبداه بيانك من تحقيق قولك: الله أكبر. وكن على خدمته مستديما، وعلى شرع محبته مستقيما، فإن من لاس من كأس المحبة وذاق حن إلى قربه فاشتاق إلى وصاله وتاق فإن استغرق به في شهوده فانيا عن وجوده فقد فاز من العرفان بشرب رحيقه المختوم، وعثر من المحبة بكنزها المطلسم المكتوم، وما يلقاها إلا الذين صبروا على جهاد النفس لمولاها الكريم، وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم. وفي ضمن هذه الطريقة معان دقيقة لأسرار لا يكاد يهتدي إليها إلا من تجرد للسلوك بعلم الحقيقة، أعجبني التنبيه على شيء منها تذكيرا، وإن لم أكن بها خبيرا، عسى أن يذكر من
عظمته
ينيب، فيهتدي إلى البحث عن بنائها العجيب فيصل بها الى الرضا من القريب المجيب. فخذ أيها الواقف بما كان حقا من مقالي، ولا تردنه لما ترى أو تسمع من خسة حالي لاضطراب خواطري وتشوش بالي، وكثرة غفلتي وسهوي لفرط تقصيري ولهوي، واشتغالي بالحظوظ النفسية عن الحقوق القدسية، فإني لنفسي على ذلك عذول، ونصحي لها ولكم أبدا
(1) الحديد: الآية (16). (2) في (ت) و (م): فتقول.