أجوبة المحقق الخليلي سعيد بن خلفان بن أحمد الخليلي أبو محمد، الشهير بـ "المحقق"

الجزء السابع

الجزء ٧ · صفحة ٢٤٠

240

أجوبة المحقق الخليلي ج 7

في الدولة ولا تضييع الرعية فترك الجبر أولى لأنه الأحوط في دين المولى.

وأما القول بترك الجبر مطلقا ولو أدى إلى فساد الأمر واضمحلال الدولة وبطلان الإمامة فهو قول زهاد الفقهاء الذين يفرون بدينهم من شاهق إلى شاهق وليس لهم في النظر إلى إقامة الدولة الإسلامية أصل راسخ ولا فرع باسق وقد غاب عنهم أن ما وقعوا فيه من فساد الدولة أعظم مما هربوا منه وأضر على الإسلام وأهله.

وأما القوام بأمر الله تعالى والدعاة إليه أهل النظر في الإيالة والضبط للممالك الإسلامية بعظيم الإيالة فهم يأتون ذلك ولا يرونه؛ لأنه مؤد ولا شك إلى انحلال نظام الملك وتعويج طريق العدل، ولكن مثل هذا الحكم الجليل والمقام الهائل لا يكاد يحسنه ولا يتصدى له إلا أهل المقامات العلية والمناصب العظيمة كسليمان بن داود عليه السلام - لما خرج الهدهد بغير أمره قال: لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لَا أَنْبَحَنَهُ أَوْ لَيَأْتِينِي بِسُلْطَنٍ مُّبِينٍ ().

(1)

ومن كانت هذه حالته في العقوبات مع الطير وهو من غير المكلفين فما ظنك به وبما يكون منه في العصاة المخالفين، ولو سلك طريقة الزهاد في التخفيف على العباد لما استجاز أن يحشر له الجن والإنس والطير فهم موزعون، ولا يكون الحشر إلا بأمره وهو من الهيبة العظيمة بحيث لا يجسر أحد عن التخلف عنه لعظم إيالته فيهم وقهره. فانظر كيف وصفه الله بذلك، وقد أثنى عليه هنالك وأنبياء الله ورسله هم القدوة في

كل شيء. وقد سمعت بما جرى من رسول الله صلى الله عليه وسلم في الثلاثة المتخلفين عنه في غزوة تبوك وهم كعب بن مالك ومرارة بن الربيع وهلال بن أمية فهجرهم وأمر الناس بهجرهم وباعتزال نسائهم حتى ضاقت عليهم الأرض بما رحبت). و أي عقوبة أعظم من هذه وأوجع، وما كانت هذه الغزاة دفاعا، وإنما هي جهاد فهو

الدليل على جواز ذلك في الجهاد والدفاع جميعا.

(1) النمل: الآية (21).

(2) أخرجه البخاري في كتاب المغازي، باب حديث كعب بن مالك … (4418) ومسلم في كتاب التوبة باب حديث توبة كعب بن مالك وصاحبيه (6947) في حديث طويل.