الجزء السابع
الجزء ٧ · صفحة ٣٤٥البحوث
345
بالعبر وإدامة الفكر في انقضاء الأجل، وحلول الوجل، وسرعة الزوال، وقبح الأعمال، وحمل الأثقال، وكثرة القواطع، وشدة الموانع، وما وراء ذلك من دواهي المهالك بالموت، وما بعده
(1)
من القبر والنشر والزلازل والحشر، والوقوف والكتاب والإشهاد والحساب، وما يشبه ذلك. والدرجة الرابعة: هم خواص الخواص، ومطمح هؤلاء إلى تحقيق النظر في إعطاء الربوبية حقها من العبودية، باستفراغ المجهود في التأدب للمعبود، بآداب المملوك في برزة الملوك، فالوقت كله لهم جهاد و عبادة وأوراد، في تصفية القلب للحقوق عن شوب من الحظوظ، فهم في محض استعانة والتجاء في استكانة، بخضوع و خشوع، وبكاء ودموع، من طرف خاشع بقلب راجع وحزن دائم لصب هائم، فإذا استحكم الشوق، وتواصل الذوق، فعاد الذوق (3) شربا، والشرب عبا، واشتغل عن التصفية بالصفا، وحظي من الوصل بالوفا، فقد صار في الدرجة العليا، فهي الدرجة الخامسة للسابقين، من الأنبياء والصديقين
(2)
والأولياء المقربين. وهؤلاء جميعا همهم التجريد، ووردهم التفريد، وشأنهم التوحيد، وجهادهم مطلقا التخلي، ومرادهم صحة التجلي، ومحال كون هذا البقاء إلا بعد الفناء عن الأغيار والسواء، ومستحيل هذا إلا لمن كان من أهل العرفان، ببذل الكلية كلية الإنسان في الثبات على دوام المشاهدات، والصبر بقهر الحركات والسكنات، والخطرات والإرادات، تحت يدي سلطان
الحضرات.
ولا يعثر على ذلك من قام وفيه من نفسه بقية من اعتياد أو اجتهاد أو التفات لمراد، فإن وضع كل ذلك تحت قدميه، وتوسل بحقيقة الفقر بين يديه حتى لا يرى لفقر ولا غنى، ونسي القيام والعنا، وتناسى الحب والمنى، فصرف وجه قلبه إلى حضرة ربه، فحينئذ تتجلى فيه الأنوار الروحانية من الحضرة الربانية، ويكشف له بسليم الذوق عن عظيم المعارف الإلهية، فيغيب عن كثيف الناسوت، ويسبح في فسيح الملكوت، ويشرف على منارة عالم الجبروت
(1) في (ت): من الموت.
(2) في (م): وقلب.
(3) سقطت من (م).
(4) في (م): السليم.
(4)