الجزء السابع
الجزء ٧ · صفحة ٣٥٣البحوث
353
فارجع عن حصر الاعتقاد، يا موسى الانقياد، فإنك لن تستطيع معي صبرا، ولا تقنع
بشبهة التقليد فما هو بالسديد، فكيف تصبر على ما لم تحط به خبرا، وإن تكن تطلب الزيادة ولا تقنع بهذه الإفادة، فأردت الرجوع إلى العمل الظاهر لأن [مأخذ القياس] فيها شاهر فلا بأس على من رام كشف الالتباس، فهاك مقياس القياس، بين الحج وغيره من الأعمال، ففي ذلك ينحسم المقال بحول مولاي ذي الجلال إظهارا للعناية بمطلب هذا السائل وجوابا لهذه المسائل، والله نستمده، الصواب ونستعين به على تيسير الجواب.
فأقول: قد سبق أن الحج لمن حضره فقدره أفضل من سائر العبادات البدنية، فبقي النظر في قادر غير حاضر، أيكون الخروج إلى الحج أفضل له أم معانقة سائر العبادات في بيته، فقد مضى القول فيمن شغله من عمل الدنيا والبطالة، فأما غيره من مشتغل بنفس عمل الآخرة من قائم بعدل أو عالم أو متعلم أو متعبد فله حكم المفاضلة بين المقام والخروج.
ولا تصح المفاضلة إلا بالنظر إلى الجهتين لتمييز الفاضل من المفضول كما سبق، فانظر أولا إلى نفس عمل الحج كله تجده لا يزيد على بضعة من الأيام ثم انظر في الخروج إليه تجده ما بين ساعة إلى يوم أو شهر أو سنة أو عشر أو يزيد عنها أو ينقص منها، ولا بد من كونه في بر أو بحر؛ إذ لا ثالث لهما إذا أردنا استكشاف ما فيه من الفضيلة، نظرنا فيه من وجهين: أحدهما من حيث أصالة فضله، فوجدناه خروجا في طاعة لا تدرك غالبا إلا بخروج، فهو بالمعنى نوع من جنس الهجرة إلى الله وَمَن يَخْرُجُ مِن بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، ثُمَّ يُدْرِكُهُ الموتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا) وكفى بها لمن عقل.
والنظر الثاني من حيث العوارض المفيدة لعظيم الأجر، فما كان داخلا في دائرة عمل الخروج من حركة وسكون وعسر وشدة وصبر وتعب ونصب ومقاسات كربة وهوان غربة لذلة نفس وفراق وطن وبعاد عن أهل وولد في أمثالهن فكل ذلك محسوب ومكتوب في منشور أعماله وسيلقاه في مآله. فمن الذي يطمع في إحصاء ثوابه وأجره غير الواهب الكريم، فهو الذي أحصاه عددا
(1) سقطت من (م).
(2) النساء: الآية (100).