أجوبة المحقق الخليلي سعيد بن خلفان بن أحمد الخليلي أبو محمد، الشهير بـ "المحقق"

الجزء الأول

الجزء ١ · صفحة ٣٣٠

330

أجوبة المحقق الخليلي

يقدر عليها إلا به، ولا ترجى إلا منه، فقالوا: (اهْدِنَا) علما بأنه لا هادي إلا هو، ولاهدى إلا بمنه ورحمته، وبسر كلمة اهدنا هداهم إلى الطريق الواضح، فكشف لهم من أنوار هدايته ما دلهم على نعت الطريق بأنه طريق الحق الذي يدق ويصعب على العقل إدراكه على الحقيقة كما هو إلا من أمده نور التوفيق، ففتح عين بصر بصيرته، فنظر بمقلة الكشف إلى أحد من السيف، وأدق من الشعرة، مثلا في استوائه لا أنه جسم محدود من الأجرام)

ممدود.

ولما كان هو بذلك الحال في المثال وجب أن يزاد في توضيح صفاته، وقال: الْمُسْتَقِيمَ) أي القيم المستوي الذي هو غير قابل الاعوجاج، وفيه عبارة عن الانقطاع الكلي الذي لا تلجلج فيه، وفيه ثناء بالغ، وتمدح لهذا الطريق العظيم برهانه، وفيه تعريض بأن ما عداه من الطرق مخالفا له، فهو الأعوج جزما؛ لأن التعريف في استقامته لاستغراق جنس الإقامة، فلا قيام لغيره أبدا.

ولما انتهى بهم الحال إلى هذا المقام، ورأوا من عجائب الطريق في هذا السفر الميمون ما دلهم على أن مراتب الهدى، والاستقامة غير مقصورة على حد واحد، فهي درجات شتي، و مقامات تتفاوت في اختلاف أحوال السالكين، وخصوص (2) الواصلين، استغرقهم الشوق إلى حب الحب ومقامات القرب، ومجاورة الأولياء ومعاشرة الأنبياء، الذين هم أدلاء الطريق إلى ذلك الفريق، فلم يلبث لسان الحال، أن صرح بالمقال:

صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا، فالصراط الأول صراط السالكين المجتهدين، والصراط الثاني صراط الأولياء والمقربين من الواصلين، وكم بين المقامين من مهجة تذوب شوقا إن أعطيت ذوقا، وناهيك

(1) في (ت): الأحزام.

(2) في (ت) حضوض.