أجوبة المحقق الخليلي سعيد بن خلفان بن أحمد الخليلي أبو محمد، الشهير بـ "المحقق"

الجزء الأول

الجزء ١ · صفحة ٣٥٨

358

(1)

أجوبة المحقق الخليلي

شيء، وإنما هو جنايته على نفسه لمخالفته أمر دينه، وخروجه عن حض شريعته، فالدين

(2)

يسر ولا تكليف فيه، ومن بغى فجريرته عليه يَأْتِهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنفُسِكُم (3) وهكذا القول في الحدود والعقوبات التي اقتضتها أحكام السياسة، لإقامة نواميس العدل ذبا عن محارم الله تعالى إذا انتهكت فإنها من واد واحد، وقد اقتضاها مقام العدل بالحكمة والفضل، وليس ذلك مضادا لكون الدين يسرا، فإنها في الأصل ليست من العبادات المشروعة على المكلف، ولا مما أمر بالإتيان بما يوجبها قطعا، وإنما اقترفها الفاعل جناية على نفسه، فاستأهلها بحكم السياسة والعدل، صونا عن انتهاك حمى الله تعالى، فإن لكل ملك حمى، وحمى الله محارمه، فانتهاك حرمة الله تعالى أشد من انتهاك حرمة العبيد باقتحام البيوت وغيرها.

وفي ذلك يهدر الدم بإقامة الحدود في هذا كذلك، ألا وإن هذه الحدود والقصاص والقتل ونحوها قد أشبهت معاني الحقوق فمن وجب عليه حق في نفس أو مال فلا بد من أدائه لربه، فقد يخرج الغني من أمواله أجمع إذا وجبت عليه الحقوق فيها ولا بد، كما تتضاعف المحبة عليه ببذل النفس إذا وجب الحق عليها.

(3)

وقد كان قبل أن يجر على نفسه أو ماله في سلامة من ذلك كله، ولم يكن من ذلك في الأصل مما أمر به في دينه، وإنما حصل التكليف به بأسباب خارجية صدرت من فعله، بواسطة هواه ونفسه وشيطانه، فلم يكن في الدين ما يحط الواجب عليه، وليس ذلك بقادح في الدين، ولا مفيد كونه غير سر، ولا مقتضيا لتكليف ما لا يطاق، فإن عذاب الله تعالى وغضبه هو الذي لا طاقة به لأحد أبدا.

ومن رحمته أن شرع بحكم عدله القود والقصاص لمن تاب من بغيه ورام الخلاص،

(1) في (م): خط. (2) يونس: الآية (23).

(3) في (م): لبذل.