تحديد سن الزواج لمحمد المغاوري
الجزء ١ · صفحة ١٨وهو بهذا المعنى له أهمية كبرى، يتجلى بعضها في تعمير الكون، وتحقيق معنى الخلافة عن الله - تعالى - على الوجه الأكمل، وتلبية الحاجات الفطرية لدى الإنسان على النحو اللائق بكرامته وتكريمه، فكلنا أبناء هذا العقد، والتناسل بغيره معصية وخذلان، ووجود الإنسان بدونه وجود قلق يعوزه النسب الذي إليه ننتمي، والأسرة التي بها نحتمي، والتي هي عماد المجتمع وركيزته الأساسية التي يقوم عليها صرحه المتين.
ولأن الزواج له هذه الأهمية فقد عني الإسلام به عناية فائقة منذ لحظة التفكير فيه، ومرورا بإنشائه وإقامته، وانتهاء بانحلاله بالفسخ أو الطلاق ؛ ويتمثل ذلك في النصوص القرآنية والنبوية التي حوت الكثير من الضمانات والمقومات والشروط، التي تكفل مراعاتها استقراره على النحو المرجو منه.
من هذه الشروط: ما يتعلق بأهلية(1)
(1) - الأهلية في اللغة مؤنث الأهلي، والأهلي المنسوب إلى الأهل، والأهل للشيء الصالح له، وعلى هذا فالأهلية للأمر تعني الصلاحية له. ( يراجع / لسان العرب لابن منظور، 01/253، ط دار صادر- بيروت، المعجم الوسيط الصادر عن محمع اللغة العربية بالقاهرة، ص32 ).
أما في اصطلاح الأصوليين: فهي صلاحية الإنسان لثبوت الحقوق المشروعة له ووجوبها عليه، ولصدور الأفعال منه على وجه يعتد به شرعا.
وهي نوعان: أهلية وجوب، وأهلية أداء.
أما أهلية الوجوب: فهي صلاحية الإنسان لثبوت الحقوق المشروعة له أو وجوبها عليه، أو بعبارة أخرى: صلاحيته للإلزام والإلتزام.
وهي قسمان: ناقصة، وكاملة.
فأهلية الوجوب الناقصة: هي صلاحية الشخص لثبوت الحقوق له فقط. وهي ثابتة للجنين في بطن أمه قبل الولادة، وإنما كانت كذلك – يعني ناقصة – في حقه لأنه من ناحية يعد جزءا من أمه، إذ هو ينتقل بانتقالها ويستقر بقرارها، ومن ثم لا تكون له ذمة مستقلة، ومن ناحية أخرى يعد إنسانا مستقلا عن أمه متهيئا للانفصال عنها بعد تمام تكوينه، ليصبح نفسا مستقلة، ومن ثم لا يعد جزءا منها مطلقا، وبالنظر إلى الناحيتين تكون له ذمة لكنها ليست كاملة بل ناقصة، تؤهله لاكتساب بعض الحقوق النافعة له والتي لا تحتاج إلى قبول كالنسب والميراث، ولا تؤهله لأن يجب عليه شيء.
وأهلية الوجوب الكاملة: هي صلاحية الشخص لثبوت الحقوق له أو عليه. وهي تثبت للشخص منذ ولادته حيا، ولا تفارقه في جميع أدوار حياته، فالصغار والمجانين ومن في حكمهما لهم أهلية وجوب كاملة، وبالجملة لا يوجد إنسان فاقد لهذه الأهلية.
وأما أهلية الأداء: فهي صلاحية الشخص لصدور التصرفات منه على وجه يعتد به شرعا، وهي قسمان: ناقصة، وكاملة.
فأهلية الأداء الناقصة: هي صلاحيته لصدور بعض التصرفات منه دون البعض الآخر، أو صدور البعض منها وتوقفه على رأي من هو أكمل منه عقلا وأعلم بوجوه النفع والضرر. وهذه الأهلية تثبت للصغير المميز، أي بعد تمام السن السابعة إلى البلوغ، فالصغير المميز تصح منه بعض التصرفات دون البعض، فما يتعلق بحقوق الله تعالى – كالإيمان والصلاة والصوم والحج يصح منه، لكن لا يكون ملزما بهذه العبادات إلا على وجه التأديب والتهذيب، أي لا يستتبع فعله عهدة في ذمته، فلو شرع في الصلاة لا يلزمه المضي فيها، ولو أفسدها لا يجب عليه قضاؤها، وما يتعلق بحقوق العباد كالعقود فإنها لا تصح منه عند الإباضية والشافعية وبعض الحنابلة، وعند الحنفية عقوده على ثلاثة أنواع: إما أن تكون نافعة له نفعا محضا، وهذه تصح منه، وإما أن تكون ضارة به ضررا محضا، وهذه لا تصح منه، وإما أن تكون دائرة بين النفع والضرر، وهذه موقوفة على إجازة وليه، فإن أجيزت نفذت وإلا بطلت، ويرون أن الإجازة تجبر نقص الأهلبة.
وأما أهلية الأداء الكاملة: فهي صلاحية الشخص لصدور الأقوال والأفعال منه على وجه يعتد به شرعا دون توقف على رأي غيره.وتثبت للبالغ الرشيد، وهي مناط التكليف الشرعي وتوجه الخطاب من الشارع. ( يراجع تفصيل ذلك في: كشف الأسرار للبزدوي، 04/237 وما بعدها، المستصفى للغزالي، 01/84 وما بعدها، الإحكام في أصول الأحكام للآمدي، 01/130 وما بعدها، شرح طلعة الشمس للسالمي، 02/245 وما بعدها ).