تحديد سن الزواج: دراسة مقارنة في الفقه الإسلامي وقانون الأحوال الشخصية العماني المغاوري محمد عبد الرحمن الفقي [دارس عن الإباضية]

تحديد سن الزواج لمحمد المغاوري

الجزء ١ · صفحة ٣٦

والثاني: دعوى بطلان القياس كله غير مسلمة أيضا، فقد قامت الأدلة الشرعية على صحته واعتباره دليلا على الأحكام الشرعية العملية، متى توافرت أركانه وشروطه(1) .

الرأي المختار:

والذي تسكن إليه النفس لدى التأمل في مجموع الأدلة وما دار حولها من بحث ونقاش القول بجواز تزويج الصغار، لقوة أدلته وسلامتها من المناقشات التي وردت عليها، بينما لم تسلم أدلة المخالفين من المناقشات التي وجهت إليها، ولكنّي أقول: إذا جدّت ظروف قلبت زواج الصغار ضررا عليهم وعلى المجتمع فلِولي الأمر أن يمنعه سياسة(2) ،

(1) - تراجع هذه الأدلة في: شرح الأسنوي على منهاج الأصول، 03/16-23، المستصفى للغزالي،02/235، شرح البدخشي على المنهاج، 03/16.

(2) - السياسة التي نقصدها هي السياسة الشرعية التي ذكرها علماؤنا قديما وحديثا، وهي سلطة تقديرية ممنوحة شرعا للحاكم يعمل بها في تدبير شؤون الأمة باجتهاده أو اجتهاد غيره بما يحقق مصلحتها.

وقد عرفها ابن نجيم فقال: هي فعل الشيء من الحاكم لمصلحة يراها وإن لم يَرِد بذلك الفعل دليل جزئي. ( يراجع/ البحر الرائق، 05/11 ).

وعرفها الشيخ عبد العال عطوة: بأنها فعل شيء من الحاكم لمصلحة يراها فيما لم يرد فيه نص خاص، وفي الأمور التي من شأنها ألا تبقى على وجه واحد بل تتغير وتتبدل تبعا لتبدل الظروف والأحوال. ( يراجع/ المدخل إلى السياسة الشرعية للأستاذ عبد العال عطوة، ص52، نشر: جامعة الإمام بالسعودية.)

وعرفها آخرون بتعاريف متقاربة في المعنى مع ما سبق.( يراجع/ السياسة الشرعيةفي الأحوال الشخصية، د/ عبد الفتاح عمرو، ص23/ ط دار النفائس – الأردن.)

وواضح مما سبق أن السياسة الشرعية مقصورة على الحاكم أو من يقوم مقامه، أما غيرهما من الفقهاء فإن قولهم بالسياسة الشرعية من باب الفتوى غير الملزمة، وأنها مقيدة بالمصلحة، وأن مجالها الأمور المتغيرة تبعا لتغير الظروف والأحوال حيث لا يوجد نص خاص.

والعمل بالسياسة الشرعية ليس مخالفا للشرع بل هو موافق لما جاء به، ويشهد لذلك الوقائع الكثيرة التي حدثت من كبار الصحابة، فأبو بكر حرق اللوطية سياسة، وكذلك عمر حلق رأس نصر بن حجاج ونفاه من المدينة لتشبيب الناس به، وعثمان جمع الناس على حرف واحد من الأحرف السبعة التي أطلق الرسول - صلى الله عليه وسلم - القراءة بها لما كان في ذلك مصلحة، وعليّ حرق الزنادقة الرافضة وقال:

لما رأيت الأمر منكرا أججت ناري ودعوت قنبرا

وقنبر هذا غلامه. ( يراجع/ الطرق الحكمية في السياسة الشرعية لابن القيم، ص13 وما بعدها بتحقيق محمد حامد الفقي، ط السنة المحمدية.

ويقول الطرابلسي في معين الحكام نقلا عن القرافي: "واعلم أن التوسعة على الحكام في الأحكام السياسية ليس مخالفا للشرع بل تشهد له الأدلة المتقدمة، وتشهد له أيضا القواعد الشرعية من وجوه ". يراجع/ معين الحكام فيما يتردد بين الخصمين من الأحكام، ص173، ط الحلبي بمصر.

ونود الإشارة هنا إلى أن أحكام السياسة الشرعية ظنية لأن مبناها على الاجتهاد المبني على أصول معروفة في الشريعة الإسلامية كالمصالح المرسلة، وسد الذرائع، والاستحسان والعرف، ومراعاة مقاصد الشريعة، ونحو ذلك مما يضبط الاجتهاد ويؤصله. لكن تبني ولي الأمر لها يجعلها حكما ملزما للمجتهدين وغيرهم، ويمنع القول بخلافها حفاظا على وحدة الأمة وتماسكها، لأن طاعة ولي الأمر فيما ليس بمعصية واجبة، وهذا يتناول المباح إذ الامتثال في المباح أمرا أو نهيا لا يترتب عليه معصية، كما يتناول المسائل الاجتهادية. ( يراجع/ بحوث في التشريع الإسلامي للشيخ محمد مصطفى المراغي نقلا عن نظرية الإباحة عند الأصوليين، د/ محمد سلام مدكور، ص329، ط دار النهضة العربية بالقاهرة ).

٣٦ / ٥٨