تحديد سن الزواج: دراسة مقارنة في الفقه الإسلامي وقانون الأحوال الشخصية العماني المغاوري محمد عبد الرحمن الفقي [دارس عن الإباضية]

تحديد سن الزواج لمحمد المغاوري

الجزء ١ · صفحة ٤٨

لهذه الاعتبارات(1) وغيرها مما جد في تيار الحياة الاجتماعية من متغيرات متسارعة رأى ولي الأمر تحقيقا للمصلحة ودفعا للضرر منع زواج الصغار قبل بلوغهم أهلية الزواج، وفي نفس الوقت فتح الباب لِما قد تدعو إليه الحاجة، فأجاز للقضاة تزويج من لم يبلغ السن المقررة متى كان في ذلك مصلحة له.

ثانيا: الأسس الفقهية التي بني عليها النص

يمكن القول بأن هذا النص بني على أسس فقهية ثلاثة:

الأول: سلطة ولي الأمر في تقييد المباح لمصلحة عامة:

إن أقصى ما تفيد الأدلة التي تمسك بها القائلون بصحة زواج الصغار هو جوازه وإباحته، ومن الثابت شرعا أن لولي الأمر سلطة في تقييد المباح لمصلحة يراها(2)

(1) - يراجع في هذه الاعتبارات: حماية الأمومة والطفولة في المواثيق الدولية والشريعة الإسلامية، د/محمد عبد الجواد محمد، ص127 وما بعدها، نشر، منشأة المعارف بالاسكندرية- مصر، الأحوال الشخصية للشيخ محمد أبو زهرة، ص109، أحكام الأسرة في الإسلام للشيخ محمد مصطفى شلبي، ص135، الصياغة التشريعية، د/محمد كمال الدين إمام، ص34، المرأة بين الفقه والقانون، د/مصطفى السباعي، ص57، ط المكتب الإسلامي- بيروت، نظام الأسرة في الإسلام، د/محمد عقلة، 01/207، ط الأولى، نشر: مكتبة الرسالة الحديثة- الأردن.

(2) المصلحة المعتبرة في نظر الشرع هي التي تكون ملائمة لمقاصده وغاياته بحيث لا تنافي أصلا من أصوله ولا دليلا من أدلته القطعية، وتتجه في شتى شعبها إلى حفظ أمر ضروري أو رفع حرج في الدين.

فرجوعها إلى حفظ الضروري هو من باب ما لا يتم الواجب إلا به، ورجوعها إلى رفع الحرج إما لاحق بالضروري، وإما من الحاجي الذي مرده التخفيف والتيسير. يراجع/ الموافقات للشاطبي، 02/08 وما بعدها، ط صبيح بالقاهرة، الاعتصام للشاطبي، 02/129 وما بعدها، ط دار المعرفة- بيروت.

هذا، وقد اشترط الإمام الغزالي في المصلحة المعتبرة ثلاثة أوصاف: أن تكون ضرورية، كلية، قطعية. ( يراجع/ المستصفى، 02/487 وما بعدها ).

وقد اعتبر بعض الفقهاء ذلك منه تحكما وبعضهم اعتبر هذه الأوصاف شروطا منه في المثال الذي ذكره وهو تترس الأعداء بالمسلمين في الحرب، وليست شروطا عامة لكل مصلحة. يراجع/ إرشاد الفحول للشوكاني، ص226، ط الحلبي بمصر، السياسة الشرعية في ضوء نصوص الشريعة ومقاصدها، د/ يوسف القرضاوي، ص99، نشر مكتبة وهبة بالقاهرة.

والذي يظهر من عمل الصحابة – رضي الله عنهم - أنهم لم يلتزموا بالشروط التي ذكرها الغزالي، بل كانوا يراعون المصلحة وإن كانت جزئية أو حاجية أو ظنية. فعمر – رضي الله عنه – حكم بطلاق امرأة المفقود بعد مضي أربع سنوات رعاية لمصلحة الزوجة ورفعا للضرر عنها وإن لم يثبت موت زوجها، وهي مصلحة جزئية وحاجية وظنية، وقد وافق عمر على ذلك عثمان وعليَ وابن عمر وابن عباس وجماعة من التابعين، كما قضى عمر - رضي الله عنه - على محمد بن مسلمة الأنصاري بالسماح لجاره – الضحاك بن قيس – أن يسوق نهرا في أرض ابن مسلمة لأن النهر كان ينفع جاره ولا يضر محمدا. وغير ذلك من الأمثلة.

وعلى هذا: فليس من اللازم أن تكون المصلحة من الضروريات، فقد تكون مصلحة حاجية مما ييسر على الناس ويرفع الحرج عنهم، وليس من اللازم أن تكون كلية عامة، فإن رعاية مصالح الأفراد والفئات المختلفة أمر معتبر في الشرع، كذلك ليس من اللازم أن تكون قطعية لأن العمل بالظن الراجح أمر معمول به في الأحكام الفرعية، وناط به الشرع أمورا كثيرة. يراجع/ السياسة الشرعية، د/ يوسف القرضاوي، ص99 وما بعدها.

٤٨ / ٥٨