الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ١٧٤فارس، لمعرفتنا برأيه فقال: لا، أولئك قوم عُلّموا فتعلموا، وتُبهوا فاستيقظوا، وندبوا إلى شيء فبالحري إن قاموا به قلنا له فالرّوم. فقال: كلاً، أجسام وثيقة وأحلام ضعيفة قلنا له فالهند. قال: أصحاب حكمة لا تجاوز بلدهم. قلنا: فالصين. قال: أصحاب ترفق وصنعة وليسوا هناك قلنا له: فالترك. قال: كلاب هراش. قلنا له: فالقبط. قال: عبيد عصا. قلنا له: فالسودان. قال بهائم أهملت. فقلنا: قد رددنا الأمر إليك، فأيهم أفضل، أصلحك الله؟ قال: العرب. فتلاحظنا بأعيننا. فأقبل علينا كالمزبر (1) وقال: ظننتم أني أردتُ مُقاربتكم كلاً والذي فلق الحبة وبرأ النسمة، ولكن كرهت إن لم أكن من القوم أن يفوتني حظي من الثواب، وأنا أُبين لكم: إنّ العرب لا أوّل لها تؤمه ولا آخر لها يدلّها أصحاب بلد قفر، وجبل وغر، وإن أحدهم لفي فيافي الأرض، أوقنة من قنن الجبال، مع بعيره وشاته، يصف الكرم كله عن آخره شيئاً، لا من كتاب علمه ولا من أحد فهمه. ثم علموا أن معاشهم من
فلا
يبقي
منه
السماء فعلموا الأنواء وقسموا الأزمنة وسَمّوا الفصول بأسمائها، وسَمُّوا نبات الأرض، وحرثوه وعرفوه، فعرفوا ما يُغزر الألبان، ويُعظم الأسنمة، كالسعدان وغيره، وتجنبوا الخبيث منها كالحَمْض والعنصل، ثم جعلوا بينهم كلاماً يجتذب درّة اليتيم ويهز الكريم، ويخرج أحدهم من ماله للمدحة، ويحمل نفسه على التلف أَنفَةٌ، يجتنب من أن يُهجَى، استخرجوا ذلك كله بصحة القريحة لا من كتاب توارثوه، ولا عن إمام حملوه، قرائح صحيحة وغرائز قوية وعقول ثابتة يحمون الدمار، ويحفظون الجار، ويطلبون الثأر، ويؤثرون النار على العار، والفقر مع العز على الغنى والذل، يأبون الضيم، ويُطعمون الضيف، ويحفظون أنسابهم ومآثر آبائهم، ما يُرضي أحدهم أقل مما يُسخطه، يحلمون في موضع الحلم، ويجهلون في موضع الجهل، ولست بواجد هذه في أحد من الأمم).
(61) ازبار الرجل للشر: تهيأ، وازبار: اقشعر. (اللسان). (62) هنا ينتهي كلام ابن المقفع، وما بعده إضافة من المؤلف أو من المصدر الذي أخذ عنه، والخبر في الإمتاع والمؤانسة لأبي حيان التوحيدي 1/ 70 وهو موضوع الليلة السادسة، ورواية الخبر في الإمتاع أحود أسلوباً وأدق
لفظاً.
- 117 -