الأنساب سلمة بن مسلم بن إبراهيم العوتبي أبو المنذر

الجزء الأول

الجزء ١ · صفحة ٢٨١

أحد

وأقبل تبع حتى قدم المدينة مُجمعاً على خرابها وقطع نخيلها، فنزل بسفح واحتفر بئراً، فهي إلى اليوم تُسمّى بئر الملك، وأرسل إلى أشراف أهل يثرب من الأوس والخزرج بأن يأتوه، فتحصنوا منه في آطامهم ومنعوا أحلافهم من اليهود، فكانت خيوله تحاربهم بالنهار، حتى إذا أمسوا وكان الليل دَلّوا إليهم التمر في المكاتل والخبز واللحم والثريد، والعلف والقت للخيل. فرجعوا إلى تُبع فأخبروه بذلك، فقالوا: بعثتنا إلى قوم يحاربوننا بالنهار ويُقروننا بالليل فقال: نعمَ القومُ قومي وجدتُ، قاتلوني نهاراً وأقروني ليلاً.

ثم إن الأوس والخزرج أرسلت إليه فقالت أبيت اللعن، إن اليهود لم تكن لتجترئ أن تقتل ابنك، وإنما قتلته امرأته قال تُبع: وكيف ذلك؟ فقالوا: دخلت الله بينه وبين امرأته فقال تبع لعبت الحماة بالكنة، ولعبت الكنة بالظنة). فذهبت مثلاً. وأتاه جبران (19) من اليهود فقالا له: أيها الملك إن مثلك لا يقتل على الغضب، ولا يقبل قول الزور، وشأنك أعظم من أن يصير أمرك إلى التسرُّع إلى ما لا يجمل، وإنك لا تستطيع أن تخرّب هذه القرية. قال: ولم ذلك؟ قالا: فإنها محفوظة، وإنها مهاجر إليها نبي من بني إسماعيل بن إبراهيم اسمه أحمد يخرج في آخر الزمان من هذه مكة. قال تُبع: ومتى ذلك؟ قالا من بعد زمنك بزمن وأزمان. فوقع كلام اليهوديين في قلب تُبع، فأعجبه ما سمع منهما، وصدقهما، وأمسك عن حرب أهل المدينة، وانصرف عن رأيه في إخرابها، وقال تبع في ذلك:

البنية،

يعني

ما بال عيني لا تنام كانها

كحلت مآقيها بسم الأسود

(14) في الأصول: أولعت مكان لعبت وفي أخبار ابن شرية ص 463 تفصيل لخبر مقتل ابن تبع جاء فيه: ((ثم إن تبعاً سار إلى المدينة ثائراً لابنه، فلما قارب المدينة نزل على بئر، فسميت بئر الملك، فالتقاه مالك بن العجلان الخزرجي فقال له: أيها الملك إن اليهود قد استولوا علينا وبيننا وبينهم حرب، فانصرنا عليهم فإنما نحن منك ولك قال: وكيف أنصركم عليهم وأنتم قتلتم ولدي، وقد جئتكم أريد قتالكم وخراب قريتكم؟! فأخبرني كيف كان قتل ابني خالد؟ قال: أفسدت أمه بينه وبين امرأته ثم احتالت له فقتلته. قال تبع ولعبت الحبة بالكبة، و لعبت الكبة بالطبة)). (15) الخبر: رئيس الكهنة عند اليهود، والحبر أيضاً: العالم.

- 224 -