الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٣٠٩اشرب هنيئاً عليك التاج مرتفقاً في رأس غمدان قصراً منك مخلالا
في شعر له طويل. قال: فاستأذنوا عليه، فأذن لهم، فدخلوا عليه، فإذا الملك مُضَمَّخ
بالعنبر، ينطف من وجهه وينبض المسك من مفرقه وسيفه بين يديه، وعن يمينه وشماله الملوك وأبناء الملوك والمقاول. فدنا عبد المطلب، فاستأذنه في الكلام، فقال سيف بن ذي يزن: إن كنت ممن يتكلّم بين يدي الملوك فقد أذنا لك. فقال له عبد المطلب: إنّ الله قد أحلك أيها الملك محلاً رفيعاً صعباً منيعاً شامخاً باذخاً، وأنبتك منبتاً علت أورمته، وعزّت جُرثومتُه، وثبت أصلُه وبَسَق فرعُه، في أكرم معدن، وأطيب موطن. أبيت اللعن ـ رأس العرب، وربيعها الذي تخصب به، وأنت أيها الملك رأس العرب الذي له تنقاد وعمودها الذي عليه العماد، ومعقلها الذي تلجأ إليه
وأنت
العباد، سلفك خير سلف، وأنت لنا منهم خيرُ خَلَف، فلن يحمل ذكر من أنت سلفه، ولن يهلك من أنت خَلفُه. نحن أيها الملك - أهل حرم الله، وسدنة بيته، أشخصنا الذي أبهجنا، لكشف الكرب الذي فَدَحنا، فنحن وفد التهنئة، لا وفد المرزئة. قال: وأيهم أنت أيها المتكلّم؟ قال: أنا عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف. قال له الملك: ابن أختنا؟ قال: نعم. وكانت أم عبد المطّلب من اليمن من الخزرج، من بني عدي بن النجار، من أهل المدينة. فعند ذلك قال له الملك: ادْنُ مني، فأدناه، ثم أقبل عليه وعلى القوم فقال: مرحباً وأهلاً، وناقة ورجلاً، ومناخاً سهلاً، وملكاً ربحلاً، يعطي عطاء جزلاً، قد سمع لملك مقالتكم، وعرف قرابتكم، وقبل وسيلتكم، فأنتم أهل الليل، وأهل النهار، لكم الكرامة ما أقمتم، والحباء إذا طعنتم. ثم قال: النهضوا إلى دار الضيافة والوفود. فأقاموا شهراً، لا يصلون إليه، ولا يُؤذن لهم في الانصراف. قال: وأجريت عليهم الأموال ولموائد. ثم انتبه لهم، انتباهة، فأرسل إلى عبد المطلب، فأدناه، وأخلى مجلسه وأدناه وخلا به ثم قال: يا عبد المطلب، إني مُفض إليك من سِرّ علمي أمراً، لو غيرك يكون لم أبح له [به]، ولكنني وجدتك معدنه فأطلعتك عليه، فليكن عندك مطويّاً حتى يأذن الله فيه، فإن الله بالغ أمره، إني أجد في الكتاب لمكنون، والعلم للخزون الذي اخترناه لأنفُسنا، واحتجبنا به دون
(82) الربحل: العظيم الشأن.
- 252 -