الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٣٦٥علمناه، فما سخاء الأموات؟ قال: نعم، خرج ركب فمروا بقبر حاتم، فتزلوا بقربه، فمضى إليه رجل منهم، ويكنى أبا الخيبري (10)، فصاح بالقبر: أبا عدي، أقر أضيافك. فلما كان في السَّحَر وثب أبو الخيبري – وهو الرجل الذي صاح بقبر حاتم – فصاح: واراحلتاه فقال له أصحابه ما شأنك؟ قال: خرج، والله حاتم بسيفه، وأنا أنظر إليه، حتى عقر ناقتي. فنظروا إلى راحلته، فإذا هي لا تنبعث فقالوا له: قد والله أقراك. فنحروا الناقة وظلوا يأكلون من لحمها. فلما أصبحوا انطلقوا. فبينما هم كذلك في مسيرهم إذ طلع عليهم عدي بن حاتم ومعه جمل أسود قد قرنه ببعيره. فقال لهم: يامعشر الركب، إنّ جاءني في النوم فذكر لي شتمك إياه، وأنه أقراك وأصحابك راحلتك، وأمرني أن أدفع إليك جملاً مكان جملك ذاك، فخُذه، وقال في ذلك أبياتا:
حاتماً
أبا
خيبري وأنت
امرو
حَسود
العشيرة
لوامها
فماذا أردت إلى
رمة بداوية
صخب
هامها
أتبغي
أذاها
وإعسارها
وحولك
غوث وأنعامها (107)
فهذا يا أمير المؤمنين أسخى الأحياء والأموات. وأدرك حاتم الإسلام، إلا أنه لم يُسلم، ومات نصرانياً.
وقد ذكرت النَّوارُ امرأته أنها قالت أصابتنا سَنةٌ (108) اقشعرت لها الأرض، واغبر أفق السَّماء، وراحت الإبل جُرْباً وحُذباً، وضنّت المراضع عن أولادها فما تَبضُ
(106) في الأصول: البحتري، وفي الشعر والشعراء،249/ 1، وفي البداية والنهاية 217/ 2:
الخيبري.
(107) الأبيات في الشعر والشعراء 249/ 1 والأغاني 375/ 17 والبداية والنهاية 217/ 2 مع بعض الفروق الداوية والدوّ: المفازة. وفي الأصول ضحت بها، هامها، والصواب في الشعر والشعراء والأغاني: صخب هامها. وفي البداية والنهاية: قد صدت. وفي الأصول: وحولك عوف، وهو تصحيف. والتصحيح من
الأغاني.
(108) السنة: القحط والجدب.
(109) الحدب ج حدباء، وهي التي نتأت عظام ظهرها وحراقفها. وفي الشعر والشعراء
- 308 -