الأنساب سلمة بن مسلم بن إبراهيم العوتبي أبو المنذر

الجزء الأول

الجزء ١ · صفحة ٤٠٠

فأصبح الفريقان تحت راياتهم ومصافاتهم، وجعلت الأمداد من قبل الملك يزدجرد تترى على رستم عسكراً بعد عسكر، حتى صاروا في زهاء مائة ألف رجل، بين فارس وراجل. وقام خالد بن عُرفطة في العرب خطيباً وقال: يا معشر العرب، هذه بلاد قد أذل الله لكم أهلها، فأنتم تقتلونهم وتغيرون عليهم منذ حولين كاملين، وقد جاءكم منهم هذه الجموع، وأنتم لهاميم العرب وساداتهم، وخيار كل حي، وعز من ورائكم. فإن صدقتموهم الطعن والضرب كانت لكم بلادهم وذراريهم، وإن تقتلوا لم يبق منكم [أحد] ألا ترون الأرض من خلفكم صفصفاً قفراً، ليس فيها ملجأ ولا وزر، فلتكن حصونكم سيوفكم ورماحكم. ثم زحف الفريقان، بعضهم إلى بعض، فالتقوا واقتتلوا قتالاً شديداً لم يسمع السامعون بمثله. وتقدم عمرو بن معدي كرب الزبيدي وقيس بن هبيرة المكشوح المرادي أمام المسلمين كالأسد والأساود، وجعل قيس بن هبيرة يرتجز ويقول:

قد علمت واردة الوشائح ذات النقاب والجبين الواضح أني سمام البطل المشايخ وفارج الأمر المهم الفادح ثم حمل هو وعمرو بن معدي كرب، وتبعتهم أبطال العرب وفرسانهم، فحملوا على العجم حملة رجل واحد، فتطاعنوا بالرماح، وتجالدوا بالسيوف، وصبرت لهم العجم صبراً صادقاً، وقتل من الفريقين مقتلة عظيمة، حتى خاضت الخيل في الدماء، واضطربوا اضطراباً شديداً بجد واجتهاد وثار بينهم القتام، وكان من القوم جولة حتى لحقوا برستم، وهو في آخر صفوفهم. فلما نظر رستم إلى ذلك نادى في العجم وقال: مالكم، ثكلتكم أمكم، تُحجمون عن هؤلاء القوم، وأنتم إخوان الحرب، وأحلاس) الطعن والضرب. ثم صار في أوائل أصحابه، ثم حمل وحملوا معه حملة

رجل واحد، فكان من العرب جولة شديدة حتى دنوا من القصر الذي فيه سعد بن النساء والذراري. فأمر سعد النساء أن يخرجن ومعهن أصاغر

أبي وقاص، ومعه

(1) الأحلاس ج: جلس من يلازم مكانه لا يبرح وأحلاس الخيل: الذين يلازمون ظهورها.

- 343 -