الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٤٠١أولادهن، فخرجن جميعاً من القصر، واستقبلن المنهزمين من العرب، فضيحن وأعولن وقلن: ويحكم، عارٌ بكم أن تدعُونا وتهربوا. فأخذتهم الحمية، فرجعوا إلى الحرب، وانصرفت النساء والأولاء إلى القصر، وسعد ينظر إلى ذلك، ومعه المرأة التي كانت امرأة المثنى بن حارثة فحملت العرب حملة صادقة، وأمامهم عمرو بن معدي كرب الزبيدي، وقيس بن هبيرة المكشوح المرادي، وطُليحة بن خويلد الأسدي، وصبرت لهم العجم، فنطاعنوا بالرماح حتى تكسرت وقبل ذلك تراموا بالسهام حتى تقصدت وصاروا إلى السيوف وعمد الحديد. وحملت العجم على بجيلة، وهم في الميمنة وعليهم جرير بن عبد الله البجلي، وصبرت لهم بجيلة، فاقتتلوا قتالاً شديداً، وكثرت بينهم القتلى والجراحات وسعد ينظر إلى ذلك، وهو جالس بأعلى القصر، وإلى جانبه امرأته التي كانت امرأة المثنى. فقال سعد: وابجيلتاه، ولا بجيلة لي اليوم. فقالت المرأة: وامتناه بن حارثة، ولا متنى لي اليوم. فدخلته الغيرة من ذكرها المثنى. فلطم سعد حُرّ وجهها، فقالت: يابن وقاص، أغيرة وجبناً.
حملة
ثم عطف عمرو بن معدي كرب وأبو محجن الثقفي حتى صارا في أوائل بجيلة، وقد زالوا عن مصافهم، فأنقذوهم حتى ردُّوهم إلى مصافهم. وحملت العرب معهما رجل واحد فقتلوا في حملتهم تلك من العجم مقتلة عظيمة ونهنوهم عن أنفسهم، وسعد ينظر إلى ذلك. فقال لامرأته: لقد من الله على بجيلة. ثم اشتد القتال، فاقتتل الفريقان قتالاً لم يسمع السامعون بمثله. وتقدم أمام العجم رجل منهم كان يُعَد بألف فارس يعمل عمل الأسد البواسل، ويقتل من المسلمين من أدرك منهم، فحمل عليه عمرو بن معدي كرب فاحتمله عن دابته، وجعله أمامه على قربوس سَرجه)، وانصرف به حتي توسط به العرب، فرماه عن القربوس، فكسر عنقه، ثم أنحى بسيفه إلى عنقه، وقال: يامعشر العرب هكذا فافعلوا. فقال بعض من حضره: يا أبا ثور، من يستطيع منا أن يفعل هكذا. ثم اضطرب الفريقان مليا من
(1) قربوس السرج: حنوه أي مكان الحنائه واعو حاجه، ولكل سرج قربوسان. (2) ملي من النهار أي قطعة منه، ومضى مَلي من النهار أي ساعة طويلة. (اللسان).
- 344 -