الأنساب سلمة بن مسلم بن إبراهيم العوتبي أبو المنذر

الجزء الأول

الجزء ١ · صفحة ٤١٠

قد حنكتك، والأمور قد أحكمتك، وأنت الولي، مهما أمرتنا به لم تخالفك، ومتى تدعنا نجب، ومتى تأمرنا نطع رأيك، فأمرنا بأمرك). فقال: أيها الناس، أشيروا علي برأيكم وأوجزوا. فتكلم عثمان بن عفان فقال: الرأي ياأمير المؤمنين أن تكتب إلى أهل اليمن فيسيرون من يمنهم، وإلى أهل الشام أن يسيروا من شامهم، وإلى أهل مصر أن يسيروا من مصرهم، ويجتمع إليك من الجنود من آفاق الأرضين، وأقطار البلاد، وسير بنفسك حتى توافي الكوفة، وينضم إليك أهل المصرين، ثم تزلف إلى القوم، فتلقاهم، وقد اجتمع إليك من العرب كأعدادهم. وإنّ العرب إن رأوك نصب أعينهم كان ذلك أعزّ لهم وأقوى لظهورهم، وأصدق في جهاد عدوهم. فإنه لا بقاء بعد إخواننا بالمصرين. فقال عمر لعلي بن أبي طالب كرم الله وجهه: ما ترى أنت يا أبا الحسن؟ فقال علي: إنك إن أشخصت العرب من اليمن سارت الحبشة، فغلبوا على أرضهم، وإن أخليت الشام من جنودك سارت إليهم الرُّوم، فغلبوا عليها، واجتاحوا أهلها وأولادهم، وإن سرت من هذه البلدة انتقضت عليك الأرض من أقطارها وأطرافها، حتى يكون ما تخلف وراءك من النساء والذرية لأهم إليك تما بين يديك، وإن العجم إذا رأوك عياناً نصب أعينهم قالوا هذا ملك العرب كلّها، فرعها وأصلها، فيكون أشدّ لقتالهم، وأصعب لمزاولتهم، فما خوفك من سيرهم إلى إخواننا بالمصرين، حتى يجتاحوهم، ويسيروا مجموعهم نحوك؟ فإنّ الله لم يجعل لهم إلى ذلك سبيلاً أبداً، لقوله تعالى وتبارك، وقوله الحق هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون، وإنا لم نقاتل الناس فيما مضى بالكثرة، وإنما قاتلناهم بنصرة النبوّة، والرأي أن تكتب إلى عُمالك باليمن والشام أن

(1) في الطبري (124/ 4) قال طلحة: أما بعد، ياأمير المؤمنين، فقد أحكمتك الأمور وعجمتك البلايا واحتنكتك التجارب وأنت وشأنك وأنت، ورأيك لا ننبو في يديك، ولا نكل عليك، إليك هذا الأمر، فمرنا نطع، وادعنا نجب، واحملنا نركب، ووفدنا نفد، وقدنا نقد، فإنك ولي هدا الأمر، وقد بلوت وجربت واختبرت، فلم ينكشف شيء من عواقب قضاء الله إلا عن خيار. (2) سورة التوبة، الآية 33

- 353 -