الأنساب سلمة بن مسلم بن إبراهيم العوتبي أبو المنذر

الجزء الأول

الجزء ١ · صفحة ٤١٣

النعمان بن مقرن العمرو بن معدي كرب وطليحة بن خويلد: إن هؤلاء العجم قد عسكروا بمكانهم هذا، وخندقوا على أنفسهم، وأمسكوا عن الخروج إلى الحرب، وأمدادهم تترى عليهم كلَّ يوم، وليس الرأي إلا معاجلتهم، فكيف الحيلة في ذلك؟ فقال عرو بن معدي كرب الرأي أن تشيع أن عمر أمير المؤمنين قد مات، ثم ترتحل يجميع جنودك مولياً، فإنك لو فعلت ذلك الخرجوا من معسكرهم واتبعونا، فإذا فعلوا ذلك فاعطف عليهم، فإن ولوا كانت هزيمة، وإن وقفوا حاربتهم. قال النعمان: هذا لعمري الرأي.

ثم إنّ النعمان بن مقرن بات ليلته تلك يُعبئ أصحابه، ويعقد لهم الرايات، ويؤمر عليهم الأمراء، وجعل لكل أمير من أمرائه شعاراً معروفاً، فإذا دعوا به اجتمعوا إليه. فلما أصبح سار بهم على تعبيتهم تلك، وتحت راياتهم، مُولياً، وقد أمر أصحابه بحمل أثقالهم وتقديمها أمامهم، وأشاعوا أن عمر بن الخطاب قدمات. فلما بلغ الخبر مردانشاه نادى في جميع جيوش العجم، فأفرغوا عليهم الدروع والأقبية، ولبسوا آلة الحرب، واستلأموا، وركبوا خيولهم، وسار بهم تابعاً جيش العرب في آثارهم، حتى الحقوهم قريباً لم يتباعدوا، فعند ذلك عطف عليهم النعمان بن مقرن بمن معه من فرسان العرب، في جنوده، على التعبية التي عبّاهم بها، وذلك يوم الأربعاء، والتقى الفريقان فاقتتلا قتالاً شديداً لم يسمع السامعون بمثله، حتى حجز بينهم الليل، وانصرف كل فريق منهم إلى عسكره. فلما أصبحوا صباح الخميس، وقد ابتكروا إلى مصافهم، تراموا بالنشاب والنبل حتى نفدت، وتطاعنوا بالرماح حتى تكسرت، ثم أفضوا إلى السيوف وعمد الحديد، فتضار بوا بها من لدن انبسط النهار إلى أن هجم عليهم الليل، ثم انصرفوا أيضاً إلى معسكرهم. فلما أصبحوا يوم الجمعة ابتكروا إلى مصافهم، وتواقفوا مَلِيّاً من النهار، ولا يزول واحد من الفريقين عن مصافه، لشدة ما أصابهم في اليومين الماضيين من ألم الجراح، والعرب سكوت خفوت إلا من ذكر منهم، والعجم وقوف على خيولهم وتحت راياتهم تدور عليهم السقاة بالخمور،

الله

(1) استلام: لبس اللأمة، وهي

الدرع.

- 356 -