الأنساب سلمة بن مسلم بن إبراهيم العوتبي أبو المنذر

الجزء الأول

الجزء ١ · صفحة ٤١٤

وتغنيهم القيان، ويُعزف بين يدي كلّ صف من صفوفهم بالمعازف.

ثم إن النعمان بن مقرن ركب فرساً أشهب، ولبس ثياباً بيضاً فوق الدرع، ووضع على رأسه قلنسوة بيضاء مصقولة فوق البيضة، ثم تربّع فحمد الله، وأثنى عليه، ثم قال: يا معاشر العرب: إنكم نظام الإسلام والباب بين المسلمين وأهل الشرك، فالله الله في الإسلام وأهله يا معشر العرب، استعملوا الصَّبر تشابوا عليه بالأجر، فإنكم على إحدى الحسنيين، إما الغنيمة، والفضل، وإما الشهادة والفوز. ثم حرك فرسه وجعل يدور في الرايات والصفوف راية راية، وصفاً، صفاً، ويقول: أيها الناس، إنما قوام الإسلام بالله، ثم بكم اصبروا وصابروا، فإن الله وعد الصابرين أجراً عظيماً. إن هؤلاء العجم قد حظروا عليكم خزائن وأموالاً كثيرة ودنيا عريضة، إن هر بوا أسلموا إليكم خزائنهم وأموالهم، وإن هربتم أو هنتم الإسلام، وأضعتم الحرمات ليشتغل كل واحد منكم بقرنه، ولا يُحيل قرنّه على أخيه، فإنّ في ذلك عار الدنيا وعقاب الآخرة. أيها الناس، إن عاقبة الصبر، محمودة، ومنع الصبر يكون النصر. فجعل يدور بين الرايات ويقول هذا وشبهه والعسكران متواقفان، والناس تحت راياتهم وصفوفهم. وأقبل المغيرة بن شعبة على فرسه حتى دنا من النعمان، فقال: أيها الأمير، إن الناس قد تشوّقوا إلى لقاء هؤلاء القوم، وقد استعدوا للحرب، فماذا تنتظر؟ فقال النعمان: رويداً، يرحمك الله، فإني منتظر الساعة التي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقاتل فيها، وهي زوال الشمس، وتهب الرياح. فلما أن قارب ذلك الوقت نادى النعمان: إني هاز الراية ثلاثاً، فإن هززتها أولاً فكبروا، وليشد كل واحد حزام فرسه، ويُسوّي عليه شكته. فإذا هززتها الثانية فأسندوا أسنّة رماحكم نحو القوم، وهزوا سيوفكم. فإذا هززتها الثالثة فكبروا واحملوا، فإني حامل أولكم ولا قوة إلا بالله. فمد الناس أعينهم إلى الراية، فلما زالت الشمس وهبت الرّيح، هزّ الراية، فنزل الناس عن خيولهم

(1) في الأصول: القيون، والقين هو العبد، والقيان ج قينة وهي الجارية المغنية. (2) القرن، بالكسر الكفء في الشجاعة والحرب والمقاوم لك في أي شيء. (اللسان).

- rov -