الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٤٥٥النساء والعبيد والنقل والعُسَفاء (1). فلما رأى ذلك امرؤ القيس تخلف بعدما سار الرجال من قومه غَلوةً)، وكَمَن في غيابة من الأرض، حتى مرت به النساء، فإذا فتيات كالمها بينهن عُنيزة، فلمّا رأين الغدير قلن لو نزلنا هاهنا واغتسلنا في هذا الغدير ليذهب عنا بعض الكلال. فقالت إحداهن: نعم فافْعَلْنَ. فعدلن إلى الغدير فترلن، وتحين عنهن العبيد، ودخلن الغدير فأتاهن امرؤ القيس محتالاً، وهنّ غوافل، فأخذ ثيابهن وهن في الغدير، ثم جمعها وقعد عليها وقال: والله، لا أعطي جارية منكن ثوبها، ولو ظلّت في الغدير إلى الليل، حتى تخرج كما هي متجردة، فتكون هي التي تأخذ ثوبها فأبين ذلك عليه حتى ارتفع النهار، وخفن أن يقصرن دون المنزل الذي يُردنه. فعند ذلك خرجت إحداهنّ، فوضع لها ثوبها ناحية، فمشت إليه، فأخذته، فلبسته. ثم تتابعن على ذلك، حتى بقيت عُنيزة، فناشدته الله أن يضع لها ثوبها. فقال: لا والله، لا تمسيه دون أن تخرجي عُريانة كما خرجن. فخرجت، فنظر إليها مقبلةً ومدبرة، فوضع لها ثوبها، فأخذته فلبسته، وأقبلت النسوة عليه فقلن: عدنا، فقد حبستنا وجَوّعتنا فقال: إن نحرتُ لكن ناقتي أتأكلن منها؟ فقلن: نعم. فاخترط سيفه وعرقب ناقته، ثم كشطها. وجمع الخدمُ حطباً كثيراً، وأجج ناراً عظيمة، وجعل يقطع لهنّ من كبدها وسَنامها وأطايبها، فيرميه على الجمر، وهن يأكلن منه، ويشربن من فضلة كانت معه (16) في ركوة له، ويغنّيهن، وينبذ إلى العبيد من الكباب، حتى شبعن، وطربن وطربوا. فلما ارتحلوا قالت إحداهن: أنا أحمل طنفسته وأنساعه (17)، وقالت الأخرى: أنا أحمل خشبته ورَحْلَه، فقسمن متاع راحلته بينهن وزاده، وبقيت عُنيزة لم تحمل شيئاً. فقال لها امرؤ القيس يابنت الكرام، ليس لك بد من أن تحمليني معك فإنّي لا أطيق المشي ولم أتعوده فحملته على غارب بعيرها،
(14) النقل: متاع المسافر وحشمه العسفاء ج عسيف: الأجير. (اللسان). (15) الغلوة: قدر رمية بسهم. (اللسان). (16) في الشعر والشعراء 124/ 1: ويأكلن ويأكل معهن، ويشرب من فضلة حمر كانت معه. (17) الطنفسة: النمرقة توضع فوق، الرحل، والبساط الأنساع ج نسع: سير يضفر تشد به الرحال. (اللسان).
- 398 -