الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ٤٢بالمدد.
فسار جرير بن عبد الله إليهم، والمدد الذي عنده، حتى نزل دير هند، ووجه سراياه المغازية بأرض السواد، مما يلي الفرات، وتحصن الدهاقين من الفرس في الحصون والقصور، وبعثوا رُسُلهم إلى المدائن، فاجتمع عظماء الوزراء والمرازبة والأساورة وأهل الولايات واستأذنوا على أزرماخت (1) الملكة بنت كسرى أبرويز، فكلّموها من وراء حجاب، وأعلموها بما أقبل نحوهم من جموع العرب، فأمرت أن يندب من مقاتلتها اثنا عشر ألف فارس، من أبطالهم وفرسانهم المذكورين، فندبوا وكتبت أسماؤهم، وولت عليهم عظيماً من عظماء المرازبة يُسمى مهران بن مهربند اذ (1)، فسار بالجيش حتى (17) وافي الحيرة، ورجعت سرايا العرب واجتمعوا وتهيأ الفريقان للقتال، وزحف بعضهم إلى بعض، وزحف العجم في ثلاثة صفوف في كل صف فيل، وقد عبّوا مع كل فارس راجلاً، ومع كل رامح ناشباً، فجاؤوا، ولهم زجل كزجل النحل.
ثم حمل المسلمون، وحملت عليهم العجم، فتطاعنوا بالرماح، وتضاربوا بالسُّيوف ملياً من النهار، بقتال لم يسمع السامعون بمثله، وصدقهم العجم القتال، وكانت للعرب جولة، وثبت بعضهم يقاتلون، ونادى جرير بن عبد الله البجلي في قومه: ياقوم، إنّ لكم سابقة في الإسلام وفضلاً، وإنّ لكم في هذه البلاد، إن فتحها الله عليكم، حقاً وحظاً ليس لأحد مثله، ولا تكونن قبيلة من العرب أحرص على الصبر في الضرب والطعن منكم. ثم نادى أيها الناسُ، قاتلوا والتمسوا بذلك إحدى الحسنين: إما الشهادة وعظيم، ثوابها وإما الغنيمة وعظيم حظوها. ثم تنادى المسلمون، ودعا بعضاً، بعضهم وثاب من انصرف منهم فحملوا وحملت عليهم العجم من كل ناحية، فتطاعنوا بالرماح، وتضاربوا بالسّيوف، واقتتلوا قتالاً شديداً لم يسمع السامعون بمثله، حتى اختضبت الفرسان بالدماء، وكثرت بينهم القتلى والجرحى، من وقت
(16) كذا في الأصول، وفي فتوح البلدان ص 310 بوران، وفي الطبري 213/ 2: بوران
دخت
(17) في الأصول، مهربه، وأثبت ما في فتوح البلدان للبلاذري ص 311.
- 504 -