الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ١٧١هكذا حُكي عن الجاحظ فالجاحظ على معرفته وكثرة علمه بالخبر، لم يحسب له
إلا هذه السقطة، على كثرة ولايته على الرجال، وعلوّ أمره، ونفوذ رأيه.
والمهلب هو الذي احتاج الناس إلى عزمه وشجاعته مع كثرة رجالات العرب في وقته، وإن لم يولّه عليهم السلطان، وإنّما ولاه جميع وجوه العرب إذ عجزوا عن موضعه. وذلك في وقت قيام الشراة في فتنة ابن الزبير وعبد الملك بن مروان. فبلغت حينئذ قطري بن الفجاءة وأصحابه وجميع الخوارج بلاد فارس والأهواز، حتى وصلوا إلى سواد البصرة، ووقفوا على الجسر الصغير، وهزموا أهل البصرة قبل ذلك ثلاثين هزيمة وألقوا بأيديهم.
فكان أهل البصرة على حالتين أمّا أهل القوة فتحملوا بنسائهم وذراريهم إلى
البوادي. وأما أهل الضعف فوطّنوا أنفسهم على القتل وسبي الذراري.
وكانت الأزارقة ترى السباء والقتل. ثم اجتمع رأي جميع أهل البصرة أنه لا يخلصهم مما وقعوا فيه إلا المهلب. فأتوا إلى عاملهم الحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة الملقب بالقباع، وكان قد ولاه عبد الله بن الزبير البصرة، فقال له جماعة
المخزومي، وجوه العرب وفرسان قبائلهم أصلح الله الأمير، انظر أمر هؤلاء القوم. فقال لهم: والله ما أدري في أمورهم أكثر مما تدرون وأنتم وجوه قبائلكم وفرسان قومكم، وهذا العدو إنما يريد أخذ أموالكم، وبيع ذراريكم، فأشيروا عليّ برأيكم. فقالوا له: ملْ إلى المهلب، فلعله يتولى حربهم، فإنه إن فعل وقبل منا ومنك رجونا أن يدفع الله عدوّنا، ويكفينا [أمرهم]. فبعث الحارث إلى المهلب، فأتاه وعنده جماعة أهل البصرة، فقال له: يا أبا سعيد، قد ترى ما أرهقنا إليه من هذا العدو، وقد عجز أهل مصرك عنهم، واجتمع رأيهم عليك، وافتقروا إليك، فكن لهم في موضع ظنّهم بك، ورجائهم فيك، ثم تكلّم الأحنف بن قيس التميمي فقال: يا أبا سعيد، إنا والله ما آثرناك، ولكن لم نر من يقوم لنا مقامك، فكن عند ظَنّنا بك. فقال له الحارث، وأوما إلى الأحنف: إنّ هذا
الشتم عادة، واللخن: نتن الرائحة.
(1) في (أ): بذي القناع وفي (ب) و (ج): القناع، والصواب ما أثبته. (انظر الطبري 396/ 5).
- 633 -