الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ١٨٢شيئاً
أتى دون أبصار الرجال نعيه يمثل العمى والسَّمعُ حالفه وَقُرُ وقد مادت الأرضون حتى كأنما بكته الجبال الصم وانصدع الصخر أترجُون أن تُغزى سمرقند بعده وأعلى طخارستان أو يُقطَعَ النهر ومن دون أن ينشا بأرض سناؤها من القصر أشراط القيامة والحشر
من
ولو جعل الله أحداً يأخذ نصف أحوال المهلب، وخصاله الكريمة، لم يقدر أن يحوي ذلك، لأنه ليس من كتاب ألف بعده، في أي كان جنس من العلوم، إلا وقع فيه من أخبار المهلب وأحكامه وبلاغته وسياسته وجوده. ولقد وصفه ابن الكلبي فأحسن واختصر فأحكم، وذلك أن ابن الكلبي جلس مع خالد بن عبد الله القسري، فتذاكرا أمر السُّودَد، فقال ابن الكلبي: أيها الأمير ما تعدّون السودد؟ قال في الجاهلية فالرياسة، وأما في الإسلام فالسياسة، وخير ذا وذلك التَّقوى. فقال: صدقت، وكان أبي يقول: لا يُدرك الشرف إلا بالعقل، ولا يُدرك الآخر إلا بما أُدرك الأول. فقال له خالد: صدق أبوك ساد الأحنف بجلمه، وساد مالك بن مسمع بمحبة العشيرة له، وساد قتيبة بدهائه، وساد المهلب هذه الخلال كُلّها، إلى ما زاد فيها من الكرم والشجاعة والحزم والعفة والعلم. قال ابن الكلبي: صدقت، كان المهلب أبقى الناس للناس وخيرهم لنفسه وذلك أنه إذ كان كذلك أبقى على روحه من الشرق لئلا يُقطع، ومن القتل لئلاً يُقاد منه، ومن الزنى لئلا يُجلد، فسلم الناس منه لإبقائه على نفسه. قال له: خالد: فهذه الخلال كانت في المهلب.
خبر ولد المهلب وما كان من شأنهم بعده
قال: وكان، المهلب لما حضرته الوفاة، قد استخلف ابنه يزيد على خراسان، وهو ابن ثلاثين سنة، فأقره عبد الملك على ما ولاه المهلب.
ثم إن الحجاج بعث على عزله، فلم يقدر على ذلك، لمعرفة عبد الملك بحسد الحجاج للمهلب وولده. فلما مات عبد الملك وولى ابنه الوليد بعده، زاد في محبة
- 644 -