الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ١٩٢وتقدّم إلى القتال، وكانت به علّة قد تقدّمت فأضعفته، وأنهكته، وأنشأ يقول متمثلاً:
فإن
تغلب فعلا بون فعلا بون قدماً
فما
إن طبنا جبن ولكن
وإن
تُغْلَبْ فغيرُ مُغلّبينا
منايانا
ودولة آخرينا (43)
ثم قال: يا أهل العراق، وأصحاب السبق والسباق ومكارم الأخلاق. إنّ أهل الشام في أجوافهم لقمة دسمة قد زيّيت لها الأشداق، وقاموا لها على ساق، وهم غير تاركيها لكم بالمراء والجدل، فالبسوا خُلود النمر، وإلا لم تطيقوهم.
ثم تقدّم، فلم يزل يقاتل يَمنةً ويَسرة حتى قتل. وكان الذي تولى قتله بيده الفحل بن عياش الكلبي. فأتى عثمان مولى بني حنظلة برأسه إلى مسلمة، فقال له: أنت قتلته؟ قال: لا، ولكن رأيت القحل بن عياش الكلبي صريعاً إلى جنبه. قال: إن يكن هو، فهو قتله. ولم يعرف مسلمة الرأس، فقيل له مُرْ به فَلْيَغْسل ويُعَمَّم، فإنا ما رأيناه قط بلا عمامة. فأمر به، فغُسل وعُمِّم، فعرف.
وهذه مناقب يزيد، لم يُرَ رأس عُمِّم غير رأس يزيد ثم قال لهم: اطلبوا جثته، فإنّ
برجله علامة. قال أبو عبيدة: كانت إلهام رجله والتي تليها ملتصقتين.
وكان مع يزيد بن المهلب نفر من بني تميم وجماعة من المضرية، فانهزموا عنه. فلمّا قتل يزيد بن المهلب انهزم الناس، فقيل لمحمد بن المهلب: أنج بنفسك، فقد قُتل أخواك، وانهزم الناس عنك.
فقال: والله لا يسألني أحد كيف كانت وقعتكم وخلاصك أبداً. فقاتل حتى قتل.
وبقي المفضل يقاتل، ولا علم له بموت إخوته، فقاتل قتالاً شديداً وفقئت عينه. وقد أجمع رأي من بقي من آل المهلب أن يمضوا على حاميتهم، إلى قندابيل. فأقبل عبد الملك إلى المفضل، وكره أن يخبره بموت يزيد فيستقتل، فقال له: علام تقتل نفسك يا أبا غسان وقد انجاز الأمير إلى واسط؟ فقال له المفضل: ما تقول؟ قال: ما
(43) البيتان لفروة بن مسيك المرادي وهما في اللسان (طبب) والطب الطوية والإرادة والعادة. (44) زببت الأشداق: خرج الزبد عليها. (اللسان). وفي (أ): زابت، وهو تحريف. (45) في الأصول: الفحل بن العباس والصواب من الطبري 597/ 6.
- 708 -