الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ٢٣٢لبعض: اغتنموا غضب عمرو فاشتروا أمواله قبل أن يرضى.
فاشترى الناس كل الذي له بمأرب من أرض وضياع بالرخص، وهم لا يعلمون الخبر. ثم فَشا بعض حديثه فيما بلغه من شأن سيل العرم، فخرج هذا الحديث إلى الناس من الأزد، فباعوا أموالهم. فلمّا كثر البيع استنكر الناس ذلك فأمسكوا، واجتمعت إلى عمرو بن عامر أثمان ماله، وأخبر الناس يومئذ بأمر سيل العرم، فخرج من مأرب ناس كثير، وأقام من قُضي عليه أن يُصيبه.
ثم رحل عمرو بن عامر من مأرب، وحمل أثقاله وعياله عنها، ورحل معه مالك بن فهم الأزدي في ولده وقومه، وساروا جميعاً، فلم يلبث القوم إلا قليلاً بعد مسيرهم، حتى أتى الجرذ على الرَّدم فاستأصله. فلم يُفاجاً القوم ليلة، بعد ما هدأت العيون، إلا بسيل قد أقبل، فاحتمل أنعامهم وأموالهم، وخرب الجنتين ومنازلهم، وسال يجنتيهم سيل العرم، فلم يبق بها إلا الأثل والخَمْط وشيء من سيدر قليل. وذلك قول الله تعالى: (وبدلناهم يجنتيهم جنتين ذواتي أكُل حَمْط وأثل وشيء من سِدْرٍ
(1)
قليل).
فسال السيل بما كان فيها من الخير والأكل، فلم يبق بواديهم إلا الخمط، وهو الأراك، والأثل وهو الطرفاء، والسدر وهو النبق. وكان كما حكى الله تعالى في کتابه، إلى آخر القصة (2)
وقيل: أرسل الله مطراً على صدور أوديتهم حتى يجمع الله فيها سيلها إلى السد، أسالها، فسمع ذلك من تخلف منهم، فأشرفوا ينظرون إلى السيل، فأقبل سيل أحمر كأنّ فيه النيران أمامه كالرّجل الفارس، فلمّا خالط الفارس سدهم انهدم السد،
حتى
(1) سورة سبأ، الآية 16.
(2) خبر انهيار سد مأرب وسيل العرم الذي تبعه في معجم ياقوت (مأرب) ومروج الذهب للمسعودي 186/ 2، وسيرة ابن هشام ق 13/ 1. وبين روايات هذه المصادر اختلاف، وفي مروج الذهب ومعجم البلدان أن عمران بن عمرو كان حياً حين تهدم السد، وكان كاهناً، وأنه الذي حدث سيل العرم في زمنه.
-798 -